المحرر موضوع: الفلسطينيون و"ثقافة المقاومة"  (زيارة 249 مرات)

الفلامنجو

  • صوت إعلامي
  • ****
  • مشاركة: 390
  • سفير لوطني برتبة ضمير
    • http://flamingo.maktoobblog.com/
الفلسطينيون و"ثقافة المقاومة"
« في: أيار 20, 2008, 07:59:21 »
الفلسطينيون و"ثقافة المقاومة"






عوني صادق


 
ستون عاما مرت على الفلسطينيين بعد النكبة، تذبذت فيها قضيتهم بين الصعود والهبوط، فمرة  ترتفع فيها الآمال وأخرى يسود فيها الإحباط، لكن الثابت الوحيد كان إصرار الشعب على التمسك بحقوقه وعدم التنازل عنها مهما طال الزمن. وكان صمود الشعب، رغم ما يلاقيه من عنت ومعاناة بل وتآمر، مثار دهشة المراقبين الذين يتساءلون دوما عن مصادر قوته وصموده الذي يبدو أحيانا أسطوريا بالفعل. إن أحد مصادر تلك القوة والصمود يتمثل في تاريخ الشعب وما تكون لديه من "ثقافة المقاومة" التي خلقتها أساسا ظروف قضيته وقراره التمسك بحقوقه فيها.
 
أولا:ماذا تعني "ثقافة المقاومة"؟
 يمكننا أن نعرف الثقافة في واحد من أبسط تعريفاتها، بأنها كل ما يبقى في الذاكرة بعد انتهاء زمنه، أو هي ما تراكم في الذاكرة واختزنته دونما قصد من علوم ومعارف وخبرات وعادات وتقاليد وأخلاقيات شكلت وعي الفرد وقناعاته وأراءه، ووجهات نظره ومواقفه في الحياة والمجتمع والكون. وكما ينطبق هذا التعريف على الذاكرة الفردية ينطبق على الذاكرة الجماعية.  أما "المقاومة" فهي "رد فعل طبيعي مشروع، وأحيانا غريزي، على خطر يتعرض له الفرد أو تتعرض له الجماعة يمكن أن يؤذي أو يضر بالمصالح العائدة لهذا الفرد أو هذه الجماعة.  فيمكن للإنسان أن يقاوم المرض، أوالرغبة في النوم، كما يقاوم الظلم أوالاضطهاد أوالاستعمار والاحتلال. والمريض يقاوم مرضه بأشكال ووسائل شتى بعد أن يصاب بالمرض، وإن كان هناك أنواع استباقية من المقاومة من أجل الوقاية من المرض. وليس الإنسان وحده يعرف المقاومة، بل كل كائن حي لديه أشكال من هذه المقاومة، إذ نجدها في عالمي الحيوان والنبات أيضا. وكل الشعوب والأمم التي تعرضت للظلم والاضطهاد عرفت المقاومة بشكل أو بآخر. من هنا فإن "المقاومة" ثقافة وجدت في كل زمان ومكان منذ وجد الإنسان على الأرض، لكن الحيز الذي تحتله يختلف من وقت لآخر ومن شعب لآخر، حسب الظروف الاجتماعية وتطور المجتمعات، وحسب تطور مفهوم الحق ومستويات الوعي به. والشعب الفلسطيني، كبقية الشعوب عبر التاريخ، عرف أشكالا من المقاومة، على الأقل منذ بدأت المؤامرة عليه وعلى وطنه لإقامة "الوطن القومي اليهودي" على أرضه، مع نهاية القرن التاسع عشر.
 
وعندما تذكر كلمة "المقاومة" يتبادر فورا إلى ذهن الكثيرين أنها تعني "المقاومة المسلحة" على وجه التحديد، مع أنها شكل واحد من أشكال عدة يمكن أن تتجلى من خلالها المقاومة. فهناك المقاومة السياسية، وتندرج في إطارها المؤتمرات والندوات والمظاهرات والاحتجاجات السلمية، وهناك المقاومة الاقتصادية، ومنها نظام المقاطعة التجارية ونظام العمل الوطني. والمقاومة الثقافية، ممثلة في مواجهة الغزو الثقافي الأجنبي الذي يستهدف عادة طمس ومحو الثقافة والشخصية الوطنيتين. لكنه في ظروف محددة ولأسباب موضوعية يمكن لشكل من هذه الأشكال أن يكون الشكل الرئيسي الذي يتصدر المشهد، دون أن يلغي أو يقلل من أهمية الأشكال الأخرى، بل لا بد أن يتكامل معها لتحقيق الهدف الذي كانت من أجله المقاومة، فهدف كل أشكال المقاومة، في نهاية المطاف، واحد.
 
في ظروف الشعب الفلسطيني الذي تعرض للطرد والتهجير من وطنه بالقوة، وتعرض وطنه مرة للاغتصاب ومرة للاحتلال أيضا بالقوة، وعلى أيدي عصابات إرهابية وفي شكل استعمار استيطاني إجلائي إحلالي عنصري لا يملك غير فلسفة القوة، وقاعدته الذهبية تتمثل دائما في أن "ما لا يتحقق بالقوة يتحقق بمزيد من القوة"... في ظروف كهذه، ومع عدو كهذا العدو، ليس غريبا بل من الطبيعي والضروري معا أن يكون الشكل الرئيسي لمقاومته هو شكل المقاومة المسلحة، ومرة أخرى دون إلغاء أو التقليل من أهمية وأدوار الأشكال الأخرى للمقاومة. وقد بدأت مقاومة الشعب الفلسطيني للمؤامرة عليه وعلى وطنه مع بدايات الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وكان الشكل الرئيسي الذي اتخذته في البداية الاحتجاجات والمفاوضات حتى بعد صدور وعد بلفور وفي فترة الانتداب البريطاني، لكن المقاومة المسلحة أيضا كانت موجودة منذ البداية وإن بشكل جنيني وفرعي.
 
 ثانيا:المقاومة جزء من ثقافة الشعب الفلسطيني
لقد ولدت أجيال عديدة من الفلسطينيين وتربت وعاشت وعايشت بشكل يومي ولعقود طويلة صنوفا من التآمر والعدوان، ورأت بأم العين كيف كانت تنفذ مؤامرة اغتصاب الوطن، وجزء منها عاش تجارب التهجير والطرد، وجزء آخر عاش تجربة الشتات والغربة وما زال، وجزء ثالث عاش تجربة الخضوع للاحتلال ومورست عليه كل أشكال الظلم والاضطهاد والإذلال، ولا يزال. وكل ذلك كان يتحقق للمغتصب والمحتل بالقوة العارية المسلحة وبكل أشكال القوة الأخرى. وعلى مدى قرن كامل عاش الشعب الفلسطيني وأجياله المتعاقبة عقودا وعقودا، كل ذلك يوما بيوم، وكانت له فيها ردود الفعل الطبيعية والمتوقعة، فكيف لا تكون المقاومة جزءا من ثقافته العامة؟ إنه ينام ويصحو كل يوم مضطرا لأن يفكر بما يمكن أن يتعرض له غدا، سواء في وطنه المحتل أو في شتاته، ومآلاته ومصائره ومستقبل أبنائه كلها محكومة بشكل أو آخر لمآلات قضيته الوطنية ومصيرها، فكيف لا تكون المقاومة جزءا من ثقافته العامة؟
 
لقد لوحظ في أكثر من مرحلة من مراحل القضية الفلسطينية أن هناك من يستجيب للضغوط والمخططات التآمرية الهادفة إلى دفع الشعب الفلسطيني للاستسلام، ودائما كانت تفشل تلك الضغوط وتلك المؤامرات بالرغم من نجاحاتها الجزئية أو المؤقتة، وهو ما يؤكد أن المقاومة أصبحت تمثل الصورة الثابتة للشعب الفلسطيني، وليس فقط جزءا من ثقافته العامة. وخلال السنة الماضية، على سبيل المثال، بدأت تخرج "نظريات" جديدة مفادها أن مشروع المقاومة الفلسطينية المسلحة قد فشل، وأنه ربما أصبح عبئا على النضال الوطني الفلسطيني وبحيث أصبح معه من الأفضل التخلص من هذه المقاومة! لن أدخل الآن في تفصيل هذه المزاعم وخلفياتها وأهدافها، لكنني سأكتفي بالتوقف قليلا أمام البيئة التي أفرزت هذه المزاعم لأقول: إن المشروع الوطني الفلسطيني بعد النكبة توقف في محطات عديدة هامة، لكن أخطر تلك المحطات كانت ولا شك محطة أوسلو في أيلول 1993 حيث وافقت القيادة الفلسطينية على إسقاط مبدأ المقاومة المسلحة واعتماد أسلوب المفاوضات أسلوبا وحيدا لاسترداد الحقوق الوطنية المغتصبة، علما بأن هذه القيادة كانت قد قبلت "التخلي عن العنف" قبل ذلك بما يقرب من عشرين عاما عندما قبلت (نبذ العنف) كشرط للاعتراف المتبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية والكيان الصهيوني. مع ذلك لم يؤد إعلان اتفاق أوسلو إلى حل وتفكيك فصائل المقاومة المسلحة بشكل رسمي، بل إن الرئيس الراحل ياسر عرفات كان وراء تشكيل (كتائب شهداء الأقصى) في وقت لاحق، ولكن كأداة للمناورة في إطار المفاوضات. ورأيي الشخصي أن المماطلة وعمليات التملص التي شهدتها المفاوضات ما بين أيلول 1993- أيلول 2000 لم تكن إلا بسبب عدم حل فصائل المقاومة بشكل رسمي، ولذلك كانت (خريطة الطريق) وبندها الأول المتعلق بتفكيك (المنظمات الإرهابية) وتدمير بناها التحتية! ولم تندلع انتفاضة الأقصى بسبب تدنيس المجرم شارون للمسجد الأقصى، بل كان انتهاكه لحرمته هو الفرصة التي أرادتها القيادة الصهيونية لإلغاء اتفاق أوسلو وإعادة احتلال الضفة والقطاع للسبب الذي أشرت إليه. في الوقت نفسه، كانت الجماهير الشعبية تريد فرصة لإعلان يأسها من تلك المفاوضات، ولتعرب عن فشلها التام ورفض الاستمرار فيها، حيث تأكد أنه من العبث التفاوض في ظل موازين مختلة وغير متكافئة وخصوصا مع عدو كالعدو الصهيوني، كما تأكد أنه لا بد قبل الدخول في مفاوضات من تعديل موازين القوى، وإلا ستكون المفاوضات ليس أكثر من إملاء شروط الطرف الأقوى في المفاوضات. وفي وجود عرفات، كان أبو مازن قد بدأ اتهام المقاومة بما سماه (عسكرة الانتفاضة) لينتهي بعد غياب عرفات إلى وصف عمليات المقاومة بأنها "قذرة وحقيرة"، وأن صواريخها "عبثية"، ليصل إلى الإعلان رسميا عن عدم وجود حاجة أو ضرورة للمقاومة المسلحة، بل اعتبرها عاملا "يخرب العملية السياسية وعملية السلام"، ويعرقل الوصول إلى الحقوق الوطنية التي وعده بوش بها.
     
والآن لنعد قليلا إلى التاريخ لنرى إن كان فيه ما يشير إلى صحة ما قلناه عن موقع ثقافة المقاومة في حياة الشعب الفلسطيني. تتزامن وترجع بدايات المقاومة الفلسطينية مع وإلى بدايات الهجرة اليهودية إلى فلسطين، عندما بدأت عمليات شراء الأراضي وإقامة المستوطنات، عندها بدأ الفلسطينيون يتحسسون بالفطرة والمعايشة اليومية المخاطر التي أصبحت تتهدد مستقبلهم، وكان ذلك في بدايات القرن التاسع عشر. ومنذ البداية كان واضحا لأغلبية الشعب الفلسطيني أن ما تخطط العصابات الصهيونية لتأخذه منهم بالقوة لا يمكن أن يواجه بغير القوة، ثم قدم سلوك الكيان الصهيوني بعد قيامه وعلى مدى الأيام والسنين أسبابا كافية لترسيخ القناعة لدى أبناء الشعب الفلسطيني بأن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة. هكذا تأسست المقاومة في ضمير الشعب وثقافته بعد صدور وعد بلفور، وفي فترة الانتداب البريطاني وقبل قيام الكيان الصهيوني في أيار 1948.  وهناك من وثق أول عملية مسلحة نفذها فلسطينيون ضد مستوطنات يهودية وكانت بالقرب من يافا في العام 1891 في منطقة ملبس- بتاح تكفا.  وفي الفترة ما بين 1920- و1948 شهدت فلسطين كل أشكال المقاومة بدءا من البيانات والمظاهرات والإضرابات، إلى الانتفاضات والثورات. فمن انتفاضة 1920 إلى انتفاضة 1929 المعروفة بانتفاضة البراق، إلى انتفاضات 1930و1933 وصولا إلى ثورة الشهيد الشيخ عز الدين القسام في العام 1935، إلى الإضراب الكبير فالثورة الكبرى في العام 1936، إلى عمليات المقاومة المسلحة التي شهدتها البلاد في فترة 1945-1948. ولم تتوقف عمليات المقاومة المسلحة بعد 1948، بل توسعت بعد الغارة الإسرائيلية على قطاع غزة في 28 شباط 1955 حتى أنه سجل في ليلة السادس من نيسان 1956 أكثر من 180 عملية فدائية شارك فيها 300 فدائي غطت واخترقت العمق الإسرائيلي حتى وصلت تل أبيب وسقط فيها 11 شهيدا.  ولم تنقطع العمليات الفدائية حتى أعلنت حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) عن أول عملياتها الرسمية في الأول من كانون الثاني 1965. هكذا يمكن القول إنه على مدى قرن كامل لم تتوقف المقاومة الفلسطينية بكل أشكال المقاومة، ولم تتخلف فئة اجتماعية واحدة من فئات الشعب الفلسطيني عن المشاركة في شكل أو أكثر من أشكالها. أما الانتفاضتان في العامين 1987و2000 فكانتا مؤشرين على أن معين الشعب لا ينضب. فكيف يستقيم قول البعض بأن المقاومة ليست جزءا من ثقافة الشعب الفلسطيني؟!
 
ثالثا: بين ثقافة المقاومة وثقافة الاستسلام
إذا كانت المقاومة هي بالفعل جزء من ثقافة الشعب الفلسطيني، فإن السؤال الذي ينتصب في وجوهنا هو: لماذا يبدو هذا الجزء من ثقافته وكأنه يغرق في مياه آسنة أفسحت في المجال لثقافة الاستسلام أن تطفو على سطح حياته في السنوات الأخيرة؟ قبل الإجابة عن السؤال لا بد من القول إنه إذا ما أريد للقضية الوطنية أن تظل حية وعصية على التصفية، فلا بد من التمسك بثقافة المقاومة مهما كلف الأمر، ولكن كيف؟ هذا هو السؤال الحقيقي الذي على كل من يعنيه الأمر أن يواجهه قبل أي سؤال آخر. وفي هذا الإطار لا بد من العمل لإعادة الاعتبار للمقاومة التي أسقطت بعض الممارسات عنها الهالة والقدسية، وأصبح في متناول كل من شاء أن يقول فيها ما يشاء.  ولا بد من الاعتراف أن قيادات المقاومة الفلسطينية هي المسؤولة عن هذه النتيجة، فهي بداية  فشلت في جعل المقاومة نمطا لحياة الفلسطينيين، بل على العكس من ذلك نجحت في  تحويل قطاعات واسعة منهم إلى موظفين بيروقراطيين، بل وحولت بعضهم إلى مرتزقة، حتى لا نتحدث عما فعله الفساد والإفساد من تخريب للنفوس في صفوف المناضلين والمقاتلين، وإلى أين أوصلت الكثيرين منهم الذين بدأوا على أمل أن يكونوا شهداء. وكيف لا تتراجع مكانة المقاومة والمواطن أو المقاتل يرى قياداته تتحول من قادة للتحرير إلى مهربين ورجال أعمال، حتى لا نقول أكثر؟! 
 
لكن الأصل في تراجع مكانة المقاومة، كفكرة وكأسلوب نضال، يرجع قبل كل شيء وأي شيء، إلى المسار السياسي الذي سلكته قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وصولا إلى اتفاق أوسلو وما تلاه. فالتخلي عن المنطلقات والأهداف التي انطلقت فرق المقاومة من أجلها، ثم فشل المفاوضات التي صورت على أنها البديل، وأعداد الشهداء والجرحى والمعتقلين المتزايدة، والمعاناة التي تتعرض لها الجماهير الفلسطينية في الضفة والقطاع  وكذلك فلسطينيو 1948 على حد سواء... كل ذلك أفسح في  المجال لثقافة الاستسلام أن تنتشر، هذه الثقافة التي جوهرها ليس سوى اليأس والتيئيس. لقد أصبح ممكنا أن يطرح أصحاب هذه الثقافة أسئلة كثيرة فيها شيء من الصحة، وإن أرادوها كلمة حق يراد بها باطل! إنهم يسألون، مثلا: ماذا حققت المقاومة للشعب على مدى أكثر من ثلاثين سنة بل على مدى قرن؟ هل حمت أو حررت الأرض؟ هل أقامت الدولة المستقلة؟ هل أعادت اللاجئين؟ ثم يقولون: أنظروا إلى قادة المقاومة، إنهم يتصارعون على السلطة مع أن الجميع متفقون أنها سلطة وهمية... إنهم يتحاورون مع الأعداء ولا يتحاورون مع أنفسهم! باختصار، إنهم يقولون: لا فائدة ترجى من المقاومة، والمقاومة المسلحة لم تقدم شيئا لا للشعب ولا للقضية، بل ربما ضيعت الشعب وأضاعت القضية. لكنهم ينسون أو يتناسون أن التنازلات وسنوات المفاوضات الطويلة لم تقدم شيئا أيضا، ويتجاهلون أن التنازلات والمفاوضات هي التي خربت المقاومة المسلحة وقيدت ثم عطلت عملها، وهزت ثقة الجماهير بها. إنهم يقولون كيف لهذه المقاومة العاجزة أن تحقق شيئا وهي تضع نفسها أمام أقوى دولة وأقوى جيش في المنطقة؟ لقد هلكونا وهم يرددون أن الجيش الإسرائيلي لا يقهر، وأن من يريد أن ينتصر على دولة إسرائيل عليه
 
أن ينتصر قبل ذلك على الولايات المتحدة الأميركية، الدولة الأعظم في العالم!
لكن الأسطورة التي يتحدثون عنها سقطت أكثر من مرة في السنوات الأخيرة، ولم تستطع الدولة الأعظم أن تمنع عنها السقوط أوالفضيحة. لقد قامت دولة إسرائيل وشعارها الذي لا يزال معلقا في مدخل الكنيست (من النيل إلى الفرات أرضك يا إسرائيل)، لكنها انسحبت من جنوب لبنان من طرف واحد وبلا قيد أو شرط في أيار 2000، كما انسحبت من قطاع غزة من طرف واحد وبلا قيد أو شرط أيضا، وتمرغت أسطورة الجيش الذي لا يقهر في جنوب لبنان في تموز 2006 وتم قهره، وها هي إسرائيل تعود بعد ستين عاما على إقامتها إلى داخل جدار جابوتنسكي، بالرغم من أنها تصر على أن تستولي على 90% من فلسطين التاريخية!
 
صواريخ المقاومة الفلسطينية البدائية والعبثية وضعت حكومة أولمرت في مأزق لا تجد له مخرجا، ووضعت أكثر من ربع مليون مستوطن في مرمى النار! فكيف يقرأ أعداء المقاومة كل ذلك؟ يتحدث الإسرائيليون عن "الدولة اليهودية" النقية بينما تقول إحصاءاتهم إن الهجرة إلى إسرائيل تتراجع والنزوح يتزايد. لقد أصبحوا مضطرين إلى استيراد الفلاشا وهم ليسوا يهودا وغير معترف بيهوديتهم. إنهم يفتحون الأبواب للمهاجرين الروس على أنهم يهود، وأول ما يفعله هؤلاء بعد أن يصلوا (أرض الميعاد) هو بناء الكنائس الأرثوذكسية! لقد أظهر استطلاع للرأي نشر في (يديعوت أحرونوت) يوم 5/أيار الجاري، أن 4% فقط من سكان إسرائيل يشعرون بالأمن في إسرائيل، وأن 52% منهم لا يستبعدون النزوح بينما 24% يرغبون في مغادرة البلاد! مرة أخرى، ليخبرنا أعداء المقاومة كيف يقرأون هذا الإستطلاع؟ وهل كان ممكنا أن تأتي هذه النتائج على النحو الذي جاءت به لولا عمليات المقاومة الفلسطينية؟ تمتليء الصحف الإسرائيلية يوميا بأخبار المتهربين من الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي، وارتفاع نسبة المنتحرين من الجنود. وهناك مفكرون وعلماء ومؤرخون وأكاديميون يهود وبعضهم إسرائيليون أصبحوا يتساءلون عن موعد زوال دولة إسرائيل، وهناك من قدره بعشرين سنة! فكيف يفهم أعداء المقاومة هذه الظواهر والأرقام، وكيف تصبح الأمور في أقوى دولة في المنطقة، كما يقولون، على هذا النحو من التردي دون أن يكون لصمود الشعب الفلسطيني ومقاومته الدور الأول فيها؟
 
إنه بالرغم من كل ما تعانيه المقاومة الفلسطينية من أمراض وعلل، وبالرغم من كل قصورها ومواطن ضعفها وممارساتها الخاطئة، فإنه ليس صحيحا أنها لم تقدم شيئا للشعب أو للقضية، بل هي بالتأكيد ما منع تصفية القضية وحفظها حية حتى اليوم. لذلك يتوجب على الشعب الفلسطيني أن يتمسك بمقاومتة عموما والمسلحة منها خصوصا، ورصيده من ثقافة المقاومة في تاريخه وواقعه ما يؤمن له القدرة على الاستمرار في صموده ومقاومته، وعلى طلائعه أن تحافظ وتوسع وتنشط وتقوي عناصر هذه الثقافة ليزيد تأثيرها في نفوس وحياة الجماهير اليومية، لأنها السلاح الأمضى في ترسانة نضالها الوطني.
[/b]
أيّها الناس الحزانى
أيّها الشعب المناضل
هذه الأعلام لن تسقط
ما دُمنا .. نغنّي ونقاتل



طلعوا هون ما أشلب علمنا..
[/b]