أطفال للإيجار
مراسلة "مع الحدث" تتعقب المتسولين الصغار في الناصرة ومن يقف من ورائهم وتكشف أكاذيبهم وخدعهم وانتهاك براءتهم
تقرير:آمال حاج
اعتادت على وجودهم المفارق وحفظت الشوارع خطواتهم التعيسة والثقيلة أثناء بحثهم عن الشواقل. أطفال في أول العمر تنتهك طفولتهم يوميا على المفارق واي انتهاك !
يمدون ايديهم ويهرولون نحو السيارات "الله يخليك الله يخليكي " تحت اشعة الشمس الحارقة وفي عز الظهيرة وشتاء في عز البرد وتحت الامطار. حفظ وجوههم المارين ومنهم من يلعن ابوهم ومنهم من لايكترث بهم وبوجودهم ومنهم من يتصدق عليهم ببعض الشواقل أو بقنينة ماء او بأي شيء يكون في حوزتهم، وآخرون يوجهون لهم نظرات الازدراء والغضب . والمصيبة انهم اصبحوا جزء من حياة الشارع ووجودهم بات عاديا ولا احد يحرك ساكنا بشأنهم, أما قصصهم التعيسة وواقعهم المرير فهو من صنع البشر ممن ماتت انسانيتهم ومن صنع واقع الاحتلال الذي يزرع القهر والدمار والفقر مما يولد هؤلاء الضحايا ويجعل من هذا الواقع التعيس ارضية خصبة لاستغلال السماسرة وتجار الاطفال .
اما ما حصل بيني وبين احد هؤلاء الاطفال فيختزل كل الكلام. جاء احدهم مسرعا نحوي ونحو مرافقين لي قبل حوالي الشهر قائلا " الله يخليكو الله يخليكو " وكان الشارع مكتظا بالناس وبالسيارات. منحناهم بعض الشواقل قائلين لهم هذه لكم وليست لمشغليكم المهم اجابنا: " عطشان وين في مي " سألناه من اين انت ؟ اجابنا:" من جنين" تابعنا سؤاله كيف وصلت الى هنا ؟ أجاب :" بالباص " سألناه مع من؟ اجاب :" مع أخي " واخاه يصغره بالسن فسألناه من أحضركم إلى هنا ؟ اجابنا والح علينا": عطشان وين في مي " .
أنا دافعة لأمه 1800 شاقلا شعرنا اننا نحن ايضا نستغل طفولتهم ما ذنبه حتى نحقق معه ونسأله كل هذه الأسئلة. المهم توجهنا نحو الدكان لاقتناء الماء ولضمان ان يشرب الماء حقا وألا يأخذ مشغله النقود منه. عندما دخلنا الدكان قال لنا صاحبها قمتم بعين الصواب وتابع التاجر حديثه الينا قائلا:" بالأمس فقط كان هذا الطفل هنا وكانت احدى السيدات تنهره وتلح عليه ان يعمل كما يجب، فتدخلت أنا وقلت لها حرام عليك ما الذي تريدينه من الولد، أما إجابتها فصدمتني. فرغم أني اعرف أن من يشغل هؤلاء الاطفال هم سماسرة لكن لم افكر ابدا ان يتاجر الآباء بأبنائهم. المهم أجابتني قائلة: أنا دافعه لأمه 1800 شيكل ".
صمتنا ولعنا الدنيا في داخلنا لكن ما حدث بعد ذلك كان اقسى بكثير بحيث دخل اخاه الدكان وحمل علبة كولا طالبا منا ان نشتريها له. نهره صاحب الدكان، أما أخاه فأخذها من يده وقام بإرجاعها. قلنا له انتظر دعه يأخذها وسنشتري له الماء. رفض ذلك ومسك أخاه من يده قائلا لنا :" انا بشربو خلص خلص "، وخرج من الدكان وتابع رحلة الشقاء والبحث عن الشواقل. هنا تملكنا مشاعر قاسية، فرغم أنهم يعملون بالتسول مرغمين لكن أبت عزة نفسه أن نشتري لأخاه أو أن نمنح أخاه ما طلب واكتفى بشربة الماء لأنه كان حقا عطشان ولربما شعر هذا الطفل البريء بالذنب تجاهنا لكنه مرغما على أداء وظيفته أو دوره. أما نحن فلا يزال الندم يسكننا لماذا لم نلحقه ونعطيه ما اشتهى .
يجلسون على كرسي معاقين أثناء التسول وبعد انتهاء الدوام ينفضون عنهوما يلفت الانتباه هو ازياد عدد المتسولين منذ بدا شهر رمضان. ولم تعد تقتصر هذه الظاهرة على الصغار فقط بل هنالك نساء يقمن بالتسول وعلى المفارق وهن كما يدعين, أمهات لهؤلاء الأطفال وادخلوا تعديل جديد على عملهم ويستعينون بالكراسي المتحركة بحيث يدّعون المرض والشلل في سبيل استمالة عطف الناس اكثر، بحيث أكد لنا احد التجار انه راى احدهم واقفا على رجليه رغم انه في اليوم الذي سبق كان يجلس على كرسي .
اما مناطق دوامهم اليومي في الناصرة فهي امام همشبير او عند مدخل السوق او على المفارق مثل مفرق ام واصف او مفرق المنطقه الصناعية في الناصرة .
تأجير الأطفال لمقاولين
عندما بدأنا بالتقاط الصور لهؤلاء الصغار اكتشف احدهم الأمر وقام بالتصفير والصراخ عاليا على رفاقه قائلا لهم ": اتخبوا اتخبوا قاعدين بصوروا" ،هنا لم نستطع التحدث مع هؤلاء الصغار لكن انتقلنا الى مجموعة اخرى عند مفرق ام واصف. كانوا ثلاثة وكانوا حريصين قبل ان يجيبونا على أي سؤال على النظر الى بعضهم البعض. حاولنا الاستفسار منهم والتقصي عن بلداتهم الاصلية ومن اين ينطلقون ومن يحضرهم الى هنا وطبعا دون ان نفصح لهم عن هويتنا كي لا تخرج اجاباتهم دون تنسيق. حاولنا استدراجهم لكن كان ذلك عبثا .
كان الاطفال حريصين على الا ينطقوا بأي حرف غير ما تم تلقينهم اياه. أما القاسم المشترك بينهم اذا ما تم سؤالهم من اين هم يجيبون مباشرة "من طول كرم" واحد فقط قال انه "من جنين" اما عن طريقة وصولهم الى هنا وكيف يجتازون الحواجز ايضا، هنا كانت اجابتهم واحدة بحيث انهم يدخلون بالتهريب إلى منطقة المثلث ومن هناك يستقلون الباصات الى الناصرة وغيرها من اماكن العمل التي حددت لهم من قبل السماسرة او المقاولين المشرفين على اعمالهم .
واكد لنا كثر ان هنالك شبكة يدريها" مقاولو الأطفال " وهي المسؤولة عن عمل هؤلاء الأطفال. أما أفظع ما سمعناه واجمع عليه كل من تحدثنا اليهم هو أن هؤلاء الصغار وهم من المناطق المحتلة يسلمهم اهاليهم للسماسرة مقابل اجرة شهرية. أما السمارة فيوزعون هؤلاء الأطفال هنا في الداخل بعد تلقينهم الدرس كما يجب .
ثلاثة اطفال أشاروا إلى متسولة بأنها أمهم أما هي فقالت بأنها أم واحد منهم فقط!!!" ابوي شهيد " او " ابوي مريض" هذه هي الاجابة المشتركة للاطفال ومنهم من قال لنا ان امهاتهم معهم في الداخل لكن يتسولن في مكان آخر.
يبيت هؤلاء الصغار وحسبما قالوه لنا في الجامع، لكن احد التجار أكد لنا أن هنالك من يقوم بلملمة هؤلاء الصغار من الشوارع ويأخذهم الى المكان الذي استأجره لهم ليبيتوا ليلتهم فيه، ومنه ينطلقون صباحا نحو أعمالهم. أثناء حديثنا إلى هؤلاء الأطفال جاءت إحدى المتسولات نحونا فاشار عليها ثلاثتهم " هاي امي " عندما اقتربت سألناها أين أولادها فأشارت نحو واحد منهم، أما الآخرين فبقيا صامتين.
شاب يحمل حقيبة نظر الى الأطفال وكأنه يقول لهم شيئا فغيروا مكانهم وابتعدوا عنا ثم رمقنا بنظرة غريبة ومثيرة للشك وبعد ذلك توجه نحونا شاب في اوائل الثلاثينيات ويحمل حقيبة على ظهره نظر الينا نظرات غريبة لم نفهما نحن لكن فهمها الصغار وانطلقوا مع والدتهم الوهمية بعيدا عنا. أما ذلك الشاب فلاحقنا بنظرات حادة ومرتابه وخائفة من سبب وجودنا مع هؤلاء الاطفال وحديثنا معهم ومثيرة للشك.
تركنا المكان وتركنا الصغار على المفارق سندون ما سمعناه وما شاهدناه وستقتل طفولة هؤلاء الصغار مرات ومرات على الشوارع وسيزدريهم كثر ويشفق عليهم آخرون ويسبهم البعض لكنهم خسروا طفولتهم ويعيشون طفولة مشوهة ومنقوصة وكل ذلك من صنع الاحتلال ومن صنع "تجار الصغار" اصحاب النفوس المريضة.
أما بالنسبة للشرطة ودورها فقال لنا احد التجار القريبين من منطقة تمركز الصغار ": الشرطة تمر يوميا من هنا وهؤلاء الصغار امام افرادها ولا يحركون ساكنا، اي ان وجودهم عادي لكن يتحدث كثر ان السماسرة المشرفين على عمل الاطفال هم من العملاء، لذلك وكما ترون هذه القضية متواجده ومتداولة بين الناس منذ سنوات فهل تعتقدون ان الشرطة عاجزة عن وضع حد لهذا الموضوع؟ لكم أن تحللوا الأمور بالطريقة التي تريدونها "