المحرر موضوع: الحياة تحت الأرض... خوف ورهبة  (زيارة 258 مرات)

ايناس مريح

  • مراقب عام
  • صوت حُر
  • *****
  • مشاركة: 1461
الحياة تحت الأرض... خوف ورهبة
« في: تشرين الثاني 23, 2008, 07:40:45 »
مراسل "مع الحدث" في غزة يدخل احد الأنفاق وينقل لنا بالكلمة والصورة واقع عمليات التهريب...
 بعد تأميني...وقراءة الفاتحة والتشهد تم إنزالي.. إلى داخل النفق


تقرير وتصوير:
محمد علي - مع الحدث - غزة







22 مترا تحت الأرض كان عمق النفق الذي دخلته هذا الأسبوع ، وكان يراودني شعور بالرهبة والخوف ، وهو شعور قد يعتلي كل من يخشى ويخاف من الأماكن الضيقة والعميقة .وبالنسبة لمن كانوا حولي فإن هذا  الأمر بدا اعتياديا ، فهذا مصدر رزقهم وقد أجبرتهم ظروف الحصار على خلق مهنة جديدة. ممرات ضيقة شبه مظلمة ورطوبة وجو بارد وأنباء هنا وأنباء هناك عن انهيار نفق على رأس من فيه أو اختناق أحد العاملين بداخله.

أمام أبراج الحراسة المصرية مئات من الخيام التي تغطي مداخل الأنفاق ، التي تعتبر في هذه الأيام شرايين حياة قطاع غزة. على طول امتداد الشريط الحدودي الفاصل بين قطاع غزة ورفح المصرية وصل عدد الأنفاق إلى ما يزيد عن 900 نفق والعدد آخذ بالازدياد، وتشغل ما يزيد عن  6000 عامل.

رفح مدينة اقتصادية من الدرجة الأولى 
مدينة رفح والتي كان لها النصيب الأكبر من المعاناة والألم من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي أصبحت اليوم ميناء غزة التجاري أو مدينة اقتصادية من الدرجة الأولى، أشبه بمدينة أسواق حرة فأسواقها مزدحمة بالبضائع المصرية والصينية إلا أن أسعارها مرتفعة. أنفاق رفح السرية لم تعد سرية كما في السابق فاليوم تنتشر الأنفاق بشكل علني على طول الحدود وبموافقة رسمية من قبل الحكومة المقالة التابعة لحركة حماس. 

ورغم التحذيرات والتوصيات الكثيرة إلا أنني كنت مصرا على مشاهدة ما يحدث تحت الأرض، كيف يعمل أبناء غزة تحت الأرض؟ وكيف تتم عملية إدخال البضائع إلى قطاع غزة المحاصر منذ أكثر من عامين من قبل دولة الاحتلال الإسرائيلي؟


... بعد تأميني وشد الوثاق وقراءة الفاتحة والتشهد تم إنزالي بواسطة رافعة تعمل على الكهرباء إلى داخل النفق...

بعد الاتفاق مع صاحب النفق والذي تحفظ عن ذكر اسمه - بالرغم من أن الموضوع لم يعد سرا - على المدة الزمنية التي سأبقى فيها داخل النفق وبعد تأميني وشد الوثاق وقراءة الفاتحة والتشهد تم إنزالي بواسطة رافعة تعمل على الكهرباء إلى داخل النفق، وكلما تعمقت أكثر زادت نسبة الرطوبة وزاد الظلام إلا من  ضوء خافت آخر النفق - جعلني أتذكر قول الراحل ياسر عرفات  ، لأصل بعد أقل من دقيقتين إلى آخر النفق وأجد باستقبالي أحمد، وهو شاب لم يتجاوز الخامسة والعشرين من العمر والذي يقوم وبواسطة محرك كهربائي بسحب بضاعة لتاجر ينتظر في الأعلى عبارة عن علب من الشوكولاتة. استغرق سحبها عبر النفق الذي يبلغ طوله 500 متر ما يزيد عن تسع ساعات، مقابل 100 دولار يستلمها أحمد بعد الانتهاء من سحبها.

عملية السحب تقوم على عدة مراحل المرحلة الأولى إدخال البضاعة عبر فتحة في الجانب المصري، ثم يقوم عامل فلسطيني موجود بعمق 250 مترا بسحبها وتخزينها داخل غرفة تحت الأرض لا يتجاوز حجمها المترين المربعين، وبعد ذلك يقوم عامل موجود في الجانب الفلسطيني بسحبها ومن ثم رفعها إلى الأعلى ليستلمها صاحب البضاعة.

النفق الذي كنت بداخله خلى من أية ألواح خشبية داعمة من شأنها أن تمنع طبقة الطين والرمال من السقوط، وهو ما قد يتوفر بأنفاق أخرى.
 مصابيح الإضاءة لم تتجاوز أصابع اليد الواحدة، لتزيد من رهبة المكان، والتواصل بين جميع الأطراف للتنسيق فيما بينهم يتم عبر شبكة هاتفية داخلية.


المخاطرة من أجل العيش بكرامة
وحول ما دفعه للعمل بداخل الأنفاق يقول أحمد:" ظروفنا الاقتصادية صعبة والحصار يشتد أكثر وأكثر فلا يوجد عمل ولا توجد إمكانية للسفر والبحث عن عمل، الأمر الذي اضطرنا أن نخاطر بأرواحنا للعيش بكرامة".

أما ما يقوم بنقله من سلع فقال أحمد:" كل شيء ممكن ويتسع النفق لإدخاله من ملابس، سجائر، ماشية، وقود، الشوكولاتة، دراجات نارية ويتم تجميعها بغزة، أجهزة كمبيوتر وقطع غيار سيارات وغيرها الكثير ما عدا الأسلحة والمخدرات!".


توتر وخوف ورهبة داخل الأرض
قررت الدخول إلى عمق النفق، إلى الغرفة التي يتم تجميع البضاعة فيها. وفي الطريق إلى منتصف النفق داخل الأرض يزداد الأمر توترا وخوفا ورهبة، وتبدأ الأفكار والهواجس تغزو العقل، ماذا لو انهار النفق؟ هل سأنجو أم سأبقى؟ هل سأرى النور مجددا؟ وبعد الوصول قررت عدم المكوث كثيرا لسببين الأول الرهبة من المكان وثانيا ضيق المكان حيث كانت الأكياس المليئة بالشوكالاتة تأخذ الحيز الأكبر فقررت العودة، لأصل إلى حيث نزلت ولأتنفس الصعداء ولأجد بسمة تعلو وجه أحمد ساخرا من خوفي !! (يا روح ما بعدك روح)، ولأتنفس الصعداء أكثر وأكثر حين رأيت ضوء الشمس بعد صعودي إلى الأعلى.

صاحب النفق ذكر أن المخاطر كثيرة والأعمار بيد الله، لكنهم مضطرون ومجبرون على امتهان تلك المهنة "المربحة" !، ولم لا وهو يأخذ على كل كيس يقوم بسحبه مبلغ 25 دولارا فقط! وعن سبب تدني سعر سحب الكيس من 300 دولار إلى 25 دولار قال:" بسبب كثرة الأنفاق والمنافسة بين أصحابها"!! 




خراف تم تمريرها عبر الأنفاق



خشية من فتح المعابر؟!!!


وأعرب صاحب النفق عن خشيته من أن تتوقف تجارة الأنفاق في حال فتح المعابر، فعندها لن يكون لهذه الأنفاق أي دور يذكر وستغلق جميعها. وذكر أن الحكومة المقالة تقوم بمراقبتهم وتفرض عليهم أنظمة لتحد من مخاطر الانهيارات وقتل العاملين فيها  وتفرض الضريبة عليهم كما فرضوا عليهم دفع تعويضات لمن يصاب ودية لمن يقتل فيها، وبالرغم من ذلك كله إلا أن أثرياء أنفاق غزة في ازدياد.

وعن تأثير الأنفاق بكسر الحصار قال صاحب النفق:" نحن نقوم بواجب وطني ونحاول كسر الحصار عن أبناء شعبنا وأكبر دليل على ذلك استغناء قطاع غزة ولو جزئيا عن الوقود الإسرائيلي وأصبح يعتمد على السولار والبنزين المصري وأصبح سعر لتر السولار المصري لا يتجاوز 2.7 شيكل..."

« آخر تحرير: تشرين الثاني 23, 2008, 03:03:18 بواسطة Mohamed »