الموت الحارق ... الفوسفور الأبيض
كتب - تيسير ابلآسـي
القنابل الفوسفورية الفتاكة التي تستخدم ضد التجمعات المدنية في الحرب الإسرائيلية ضد سكان قطاع غزة تؤدي إلى إضرار واسعة بين صفوف المدنيين وصممت لتسبب اكبر عدد ممكن من الإصابات لأن من ميزاتها إمكانية اختراق الملابس والإلتصاق بالجسد وهي تتكون بالأساس من الفوسفور الأبيض White Phosphorus وهو عنصر سريع الاشتعال بمجرد تعرضه للهواء حيث يتفاعل مع الأكسجين وعند اشتعاله يؤدي إلى توليد درجات حرارة مرتفعة جدا تنتج عنها حروقات شديدة للجسد تصل حتى العظم . والفوسفور الأبيض عند تماسه مع الجلد يدخل للجسد وينتشر في كافة الأعضاء ويلاحظ انه تظهر على اجساد المصابين حروق ذات لون اصفر يميل للإخضرار ورائحة كرائحة الثوم واللحم المحروق او حروق على شكل نقاط سوداء في منطقة الإصابة الأقل خطورة , تصاحبها أوجاع شديدة جدا والكثيرون يتعذبون بشكل لا يوصف حتى وفاتهم. ومادة الفوسفور الأبيض تنتشر بشكل أوسع فيما إذا بللت الحروق بالماء وذلك بسبب خصائص المادة .
ينتج أيضا عن إطلاق مثل هذه القذائف دخان ابيض كثيف يؤدي الى حالات اختناق وتشنجات عضلية وأضرار هائلة للأعضاء الداخلية للجسد والإدعاءات لدى بعض الجهات العسكرية أن استخدام مثل هذا السلاح هو لغرض الإشارة إلى أهداف معينة بسبب كثافة الدخان المنبعث من القنابل الفوسفورية والتي يطلق عليها الجيش الإسرائيلي اسم " قنابل الدخان المتفجر", ولكن استخدامات هذا النوع من الأسلحة تشير إلى أنها بسبب فتكها وشدة الإصابة منها هي قنابل ذات استخدامات ميدانية تدميرية .
وقنابل الفوسفور الأبيض تعتبر من الأسلحة الحارقة المحرمة دوليا بناء على - البروتوكول الثالث الملحق بالمعاهدة الدولية حول حظر بعض الأسلحة التقليدية -
الذي تم توقيعه عام 1980
The Convention On Certain Conventional Weapons-Protocol 3
ويشار في البند الأول للبروتوكول أن الأسلحة الحارقة هي الأسلحة التي تؤدي إلى اشتعال الحرائق وتؤدي إلى احتراق أجساد الأشخاص بسبب النيران واللهب الشديد الناتج عن مواد كيمائية تصيب هدفا معينا , والبند الثاني يمنع بشكل تام وفي جميع الحالات استخدام الأسلحة الحارقة - المشتعلة ضد أهداف مدنية وضمن ذلك منع استخدام مثل هذه الأسلحة ضد التجمعات السكنية المدنية وقصر استخدام مثل هذه الأسلحة على الأهداف العسكرية وبناء على البروتوكول المذكور هذا النوع من الأسلحة يتعارض مع القوانين والأعراف الدولية واستخدامه يدرج ضمن جرائم الحرب ويلاحظ انه في السنوات الأخيرة يتجه القانون الدولي نحو تحريم هذا النوع من الأسلحة نهائيا سواء استخدمت ضد المدنيين أم ضد العسكرييين حيث أن الخبراء العسكريين وفقهاء القانون الدولي يرون فيه سلاحا كيمائيا يجب أن يندرج ضمن معاهدات الأسلحة الكيمائية المحرمة الاستخدام .
ويشار إلى أن الأسلحة الفوسفورية على أنواعها استخدمت في بعض الجيوش منذ الحرب العالمية الأولى واستخدمت بشكل واسع خلال الحرب العالمية الثانية واستخدمها الجيش الأمريكي على نطاق واسع في الحرب الكورية وفي الحرب الفيتنامية ضد محاربي الفيتكونج وذلك بإدعاء إرغامهم على ترك الأنفاق والصعود إلى سطح الأرض من مخابئهم ولكن كانت هذه ادعاءات لا تستند إلى أي حقائق عسكرية إنما كان الهدف إصابة اكبر عدد من المواطنين الفيتناميين وبشكل خاص القرويون كوسيلة ضغط لمنعهم من تأييد قوات الفيتكونج وكشكل من أشكال الانتقام خاصة حين كان يتم قصف المناطق المدنية بقذائف الفوسفور الأبيض وقنابل النابالم Napalm الحارقة التي تتكون من مواد حارقة وبشكل خاص البنزين المخلوط بمواد البولسترين والألومنيوم وهذا الدمج بين القنابل الحارقة وقنابل الفوسفور الهدف منه تحقيق صدمة قوية وإصابات واسعة لا يمكن علاجها بسهولة ثم توفير الغطاء الكثيف من الدخان الأبيض لتسهيل عمليات الإقتحام وهذا الدمج يؤدي ايضا الى تلويث الهواء بسرعة مما يسبب حالات اختناق وتشنجات عضلية , ويشير موقع "جلوبال سيكيوريتي" Global Security الخاص بوزارة الدفاع الأمريكية - البنتاجون ان الفوسفور الأبيض الذي يطلق عليه اسم ويلي بيت Willy Pete مصنف كمادة حارقة وان هنالك حظر على استخدامه بناء على - البروتوكول الثالث الملحق بالمعاهدة الدولية حول حظر بعض الأسلحة التقليدية وتجدر الإشارة هنا إلى أن غاز الأعصاب على أنواعه يتكون من مركبات فوسفورية سائلة يؤدي استخدامه إلى فقدان السيطرة على الجهاز العصبي بالجسم وبالتالي إلى مضاعفات تنتهي بالموت وبعض الجيوش تستخدم تركيبات مخففة من المواد الفوسفورية السائلة التي تؤدي الى اضرار واسعة للجسد وفي حالات معينة تؤدي الى الموت بسبب فقدان السيطرة على جهاز التنفس , وهيئة الأمم المتحدة في قرار مجلس الأمن 687 صنفت هذه الأنواع من الأسلحة كأسلحة كيمائية وكأسلحة دمار شامل يتوجب الامتناع عن استخدامها او تصنيعها او تخزينها وبشكل نهائي منذ العام 1997 , مع ذلك استخدمته القوات الأمريكية بشكل واسع في عملياتها العسكرية في العراق ضد الجيش العراقي وضد المدنيين وبشكل خاص استخدمت هذه الأسلحة الحارقة في عمليات الهجوم على بلدة الفلوجة العراقية وتحت ادعاء تدمير معدات العدو ومخازن الأسلحة قامت القوات الأمريكية بإلقاء كميات ضخمة من القنابل الفوسفورية على المدنيين العراقيين في تشرين الثاني 2004 وأدى ذلك الى مقتل الكثيرين من المدنيين العزل ولم يسمح ان تقدم لهم المساعدة الطبية الأمر الذي زاد بشكل كبير عدد الإصابات القاتلة حيث ان المادة الفوسفورية تقضي على الأعضاء الداخلية للجسد بغياب العلاجات الطبية الملائمة والسريعة , واستخدمت القوات الأمريكية ايضا وفي نفس الوتيرة قنابل الهليوم التي تؤدي الى حدوث وهج قوي جدا وحرارة لافحة تساهم بشكل كبير في توسيع رقعة الحرائق الناتجة عن القنابل الفوسفورية وقنابل النابالم , وقنابل الهليوم تسهم ايضا في الحرب النفسية لرفع مستوى الهلع لدى السكان المدنيين وخاصة الأطفال .
ومن المهم ذكره ان هنالك انواع من غاز الأعصاب المخفف الذي يتكون من مركبات فوسفورية ومادة "الفنتانيل" Fentanyl وهي مادة اصطناعية تشبه بتركيبتها مخدرات المورفين والهيروئين وتؤدي الى شل جزئي للحركة ونوع من الغيبوبة حيث ان المادة تؤدي الى نوع من شل حركة الجهاز العصبي في الجسد وتخدير الأشخاص الذين يستنشقون المادة ولكن في حال ان تركيز المادة كان كبيرا فمن المتوقع ان تؤدي الى الموت , ويلاحظ ان هنالك الكثير من الإشارات والدلائل حول قيام وحدات الجيش الروسي باستخدام هذا النوع من الغاز قبيل عملية اقتحام مبنى المسرح الروسي "دوبروفكه" في موسكو حيث قامت مجموعة من المحاربين الشيشان بإحتجاز رهائن عام 2002 ولكن على ما يبدو كان تركيز المادة التي اطلقت داخل مبنى المسرح كبيرا الأمر الذي ادى الى موت الكثيرين رغم استخدام المادة المضادة نلوكسون Naloxone التي تعرف ايضا بإسم نارسان Narcan .
وهنالك اعتقاد لدى الخبراء في هذا المجال ان مادة الفنتانيل المذكورة استخدمت في تركيبة خاصة اضيفت اليها مادة الدروفريدول وهي الأخرى مادة تؤدي الى اضرار واسعة للجهاز العصبي والتنفسي لإغتيال خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس , وهي المحاولة التي فشلت وتم في اعقابها القاء القبض على اثنين من عملاء جهاز " الموساد " الإسرائيلي واضطرت الحكومة الإسرائيلية الى افشاء سر المادة التي تم استخدامها في محاولة الإغتيال الفاشلة من اجل استخدام المصل المضاد الملائم ويشار الى ان هنالك انواع من تركيبات غاز الأعصاب المركب من الفنتانيل وضمن ذلك هنالك تركيبة قوية تدعى " رميفنتانيل " تستخدم للأغراض العسكرية ولا يستبعد ان تكون هذه المواد قد استخدمت ضد تجمعات مدنية او ضد اشخاص تم اعتبارهم من المقاومين .
وبعيد الحرب ضد لبنان عام 2006 اعترفت مصادر عسكرية وسياسية إسرائيلية انه تم استخدام القنابل الفوسفورية تحت ادعاء محاولة التغلب على محاربي حزب الله الذين تنقلوا داخل الأنفاق واختفوا بسرعة بعد مهاجمة القوات الإسرائيلية وجراء استخدام هذا النوع من القنابل الحارقة كانت هنالك إصابات كثيرة بين المدنيين اللبنانيين الأمر الذي يؤكد أن الإدعاءات الإسرائيلية بهذا الصدد هي ادعاءات هشة ومخالفة لكافة الأعراف والقوانين الدولية ومؤخرا هنالك تصاعد للأصوات التي تدعو الى تشكيل محكمة دولية خاصة لمحاكمة المسؤولين عن الجرائم المذكورة اضافة الى حث المحكمة الجنائية الدولية لفتح ملفات تحقيق بهذا الصدد ولاستصدار مذكرات دولية للقبض على مرتكبي الجرائم المتعلقة باستخدام الأسلحة المحرمة بكافة أنواعها .