المحرر موضوع: نجاة مراسل "مع الحدث" في غزة وأسرته بعد إصابة بيته بالقصف الإسرائيلي  (زيارة 191 مرات)

ايناس مريح

  • مراقب عام
  • صوت حُر
  • *****
  • مشاركة: 1461
نجاة مراسل "مع الحدث" في غزة وأسرته بعد إصابة بيته بالقصف الإسرائيلي
محمد علي يحدثنا عن الهلع والهستيريا وعن نجاح الجيش الإسرائيلي بقتل المدنيين والتدمير وفشله بكسر إرادة الشعب الفلسطيني



محمد علي - مع الحدث - غزة
أن تكون صحفيا وتذهب لتغطي خبرا ما أو حدثا ما في مكان ما شيء، وأن تكون أنت الخبر وتعيش في قلب الحدث فهذا شيء آخر، فالمسؤولية تصبح أضعاف أضعافها والعقل لا يتوقف أبدا عن التفكير والأعصاب تصبح مشدودة. 

هذا ما حدث معي وقصتي واحدة من مئات القصص المستمرة إلى الآن إن لم تكن آلاف القصص وقد تكون أقلها ضررا وقد تصبح أكثرها ضررا  ما دام العدوان الهمجي مستمرا حتى اللحظة على قطاع غزة المنكوب، والذي يعاني ويقاسي الأمرين من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي.

القصة بدأت يا سادة ظهيرة يوم السبت الماضي ودون أي مقدمات، فقد رأيت أن أستغل شمس ذلك اليوم بعد أيام باردة وماطرة وملبدة بالغيوم، قضيناها وأسرتي وعائلتي في البيت دون مغادرته إلا للضرورة القصوى، فقررت الخروج إلى سطح البيت المكون من طبقتين لأرى الشمس وتتبخر البرودة من عظامنا، فيما بقيت زوجتي تراجع مادة الرياضيات لابني في الصف الثالث الابتدائي وكانت ابنتي في الروضة على وشك العودة إلى البيت، ذلك البيت الذي صرفناه عليه " دم قلبنا و تحويشة" 27 سنة قضاها والدي مدرسا في دولة الكويت والتي غادرناها بعد حرب التحرير عام 1992 إلى السودان ثم أخيرا إلى الوطن وتحديدا قطاع غزة عام 1997.

انفجار قوي وجدت ابني بعده في حالة بكاء هستيرية
المهم يا سادة وفيما أنا على سطح البيت دوت أصوات تفجيرات أرجاء المنطقة، ظننت بادئ الأمر أني اسمع صوت طائرات الاحتلال وقد قامت بعملية اختراق لحاجز الصوت، فنظرت إلى السماء علني أشاهد ما تخلفه من خطوط بيضاء، وفجأة وإذ بانفجار قوي يدوي خلفي وشعرت بنفسي أدفع بهواء ساخن نحو الدرج وأصوات الشظايا ترتطم حولي بقوة، فنزلت الدرج لأجد زوجتي تحمل "باسل" أصغر أبنائي فيما "خالد" في حالة بكاء هستيرية يقفون على باب المنزل. حملت خالد وأكملنا النزول خارج البيت لنقف بالشارع وجميع الجيران ننظر ما الذي حدث وقد غطت المنطقة سحابة سوداء محمولة بقطع صغيرة من الأحجار تتساقط علينا كالمطر.

ما لم أذكره أننا نسكن قرب أحد المواقع العسكرية وقد تم قصفه بطائرة  F 16 دون سابق إنذار وقد كان فيه كغيره من المواقع العسكرية التي قصفت عشرات بل مئات الشبان الذين يتبعون لحركة حماس، في هذه اللحظة يتوقف العقل عن التفكير أو يصاب بشلل مؤقت، فماذا أفعل والأولويات كثيرة أأتفقد نفسي وأهل بيتي إن كانت هناك إصابات أم أتفقد الجيران أم نذهب لننقذ ونسعف ونخرج من تحت الأنقاض من تم قصفهم أم قبل ذلك كله أن تجد مكانا ليذهب الأطفال والنساء أم ماذا أفعل بالضبط؟

وجدنا أحد المنازل المجاورة لمنزلنا و به "حاصل" أو مخزن أرضي كبير فتجمع به الجميع من نساء وأطفال، وخرجنا نحن مجموعة من الشباب لنتفقد باقي المنازل المحيطة بذلك الموقع، خوفا من وجود إصابات بداخلها، فوجدناهم قد أصيبوا وكانوا قلة. كانت إصاباتهم جراء تحطم الزجاج وتناثره على من يتواجد بداخل تلك المنازل أما الغالبية العظمى فقد أصيبوا بحالات هلع وخوف.

شظية اخترقت غرفة اولادي
أصوات الانفجارات  لم تتوقف لمدة خمس دقائق، ذهبت وعلى عجل لتفقد منزلي فوجدت أن معظم الشبابيك قد تكسر زجاجها جراء صوت الانفجار والشظايا التي تناثرت ولأجد الغرفة التي كان يجلس به أبنائي وقد اخترقت إحدى الشظايا الجدار والزجاج متناثر على الأرض دون وقوع أي إصابات بينهم. انقطع التيار الكهربائي وكان المصدر الوحيد للأخبار هو المذياع والذي لم يفارق أحد منذ بدأ العدوان على غزة لدرجة أننا كنا ننام وسماعات الأذن في آذاننا، وبدأت تتكشف نتائج الجريمة، فخلال خمس دقائق أعلنت المصادر الطبية عن وصول عدد الشهداء وبشكل أولي إلى 130 شهيدا ومئات الجرحى، والمستشفيات تعاني من نقص شديد بالأسرة وثلاجات الموتى امتلأت مما اضطر أهالي الشهداء إلى وضعهم في باحة المستشفى الخارجية.

جاء المساء وطائرات الاحتلال لا تزال تنشر الموت والرعب والهلع بين السكان، لم يتمكن أحد من النوم بسبب أصوات القصف والانفجارات وبكاء الأطفال وبسبب شدة البرد فلا توجد كهرباء ولا تدفئة ولا حتى شبابيك تخفف من شدة البرودة وما باليد حيلة.

حالات هلع وإصابة الأطفال وحتى الكبار بأضرار نفسية
اليوم الثاني استمرت الغارات واستمر القصف ولكن هذه المرة قصف مسجد يجاور المستشفى المركزي في قطاع غزة كما قصف بيت مدني وهنا زاد الخوف والقلق. مسجد وبيت إذا هذا معناه أنه لا توجد محرمات لدى جيش الاحتلال كعادته وكل شيء متوقع. وتواردت الأنباء عن قصف مسجد آخر ومنزل لأحد القيادات الميدانية لدى كتائب عز الدين القسام الجناح المسلح لحركة حماس، وهنا كانت المصيبة الكبرى عندما تناقل الشباب في المنطقة عن وجود بيت لأحد القيادات ولا يفصله عن بيتنا سوى بيتين، وحدث ما كان متوقعا ففي منتصف ليلة الاثنين قصفت طائرة f 16  المنزل ودمرته وكان خاليا من سكانه، وأحدثت أضرارا إضافية بالمنازل المجاورة بما فيها منزلي، وأحدث أضرارا نفسية لدى الجميع دون تحديد، فالغالبية كانوا نيام وخصوصا الأطفال وهنا الطامة الكبرى فماذا يستطيع المرء أن يفعل أو يقول لهم.

عدد الشهداء يتزايد حتى وصل حتى كتابة هذا التقرير إلى 400 شهيد وعدد الإصابات زاد عن 2000 جريح منهم 200 في حالة الخطر الشديد جدا، عدد الشهداء من الأطفال 30 ومن النساء 10، كما تم استهداف بعض الطواقم الطبية والعملية لا تزال مستمرة.

 فعلا هي الحرب لكنها حرب بين جيش مزود بأكثر وأقوى الأسلحة تطورا وفتكا وبين شعب لا يملك سوى بعض الصواريخ محلية الصنع والكلاشنكوف، أما تلك القوانين الدولية المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب يبدو أن جيش الاحتلال لم يتطلع عليها بعد أو أنه لا يعتبر نفسه جيش دولة.
مساء الأربعاء صباح الخميس ليلة أضيفت إلى قائمة أسوأ الليالي عنفا، فطائرات الاحتلال عادت لتقصف من جديد ويبدو أنها لم تجد مواقع جديدة تقصفها فقصفت مواقع تم قصفها من قبل، وأصوات الانفجارات هزت قطاع غزة، لا أذكر أننا نمنا ساعتين متواصلتين من شدة التفجيرات ومن شدة بكاء الأطفال، والهلع الآن أصبح لا حدود له خوفا من إعادة قصف الموقع المجاور لنا فأصبحنا ننتظر الغارة.
الطوابير على المخابز تشعر بأنه لا نهاية لها فللحصول على ربطة  من الخبز -لا أكثر- والتي تكفي لمدة يوم نصف لدى العائلات المتوسطة العدد يجب أن تقف على الأقل ثلاث ساعات.
الأخبار تتوارد وكان آخرها ما تناقلته وسائل الإعلام الإسرائيلية بأن الاجتياح سيكون صباح الجمعة وأنهم يرفضون أي نوع من التهدئة.
كنا ندعو الله أن يعود المطر وتعود العواصف وتشتد الرياح لسببين لتقل الغارات الجوية، ولنجد حجة أمام الأطفال بأن ما تسمعونه ما هو إلا صوت الرعد وبالمقابل نزداد تجمدا فالمكان الذي آوينا إليه لا يصلح للمكوث فيه ساعة. 
النهار يمر سريعا والليل في أطول ساعاته والجميع كره الليل فلا كهرباء للإضاءة والغارات تشتد ضراوة وأصوات طائرات الاستطلاع أو ما نسميها في غزة بـ " الزنانة " لا تفارق السماء بصوتها البشع، تصور كل شيء يتحرك على الأرض، المآسي كثيرة وهناك حكايات وقصص أكثر مأساوية كالأسرة التي استشهد معظم أفرادها. ذلك الرجل الذي فقد زوجته وبناته الأربع. أصوات القصف والقتل والتدمير الأعمى لا يزال مستمرا، وأختم قصتي هذه بالاعتراف بأن جيش الاحتلال قد نجح نجاحا باهرا بقتل المدنيين والأطفال والنساء وتدمير المنازل فوق رؤوس أصحابها والمساجد فوق رؤوس الساجدين لله تعالى والوزارات والمؤسسات الحكومية الخالية بما فيها وزارة التربية والتعليم.ولكنه فشل بالقضاء على الشعب الفلسطيني وإرادته بل بالعكس فقد زاد الشعب الفلسطيني قوة وتحديا وتمسكا بجميع حقوقه، ثم يبدو أن فشل جيش الاحتلال الإسرائيلي وانهيار معنوياته في جنوب لبنان أراد رفعها وتسجيل ما يدعي أنه نجاح باعتداء على سكان قطاع غزة العزل. رحم الله الشهداء وشفى جميع الجرحى.و حسبي الله ونعم الوكيل على من خذل شعب غزة.