مع نهاية الأسبوع الثالث، حتى الأموات في المقابر لم يسلموا من القصف
اكثر من 6000 شهيد وجريح في قطاع غزة والعدوان الإسرائيلي مستمر
محمد علي – مع الحدث – غزة
مهما تحدثنا وكتبنا وروينا ونقلنا صور مباشرة وغير مباشرة فلن نستطيع أن نصف المشهد كاملا ولا حتى جزءا بسيطا منه، لما حدث ويحدث في قطاع غزة، فما يجري هو حرب بمعنى الكلمة ولكنها حرب بين جيش الاحتلال النظامي والمسلح بأحدث الأسلحة وبين شعب أعزل، وأعترف بأننا كشعب أعزل قد خسرنا المعركة "عسكريا" أمام آلة الحرب الإسرائيلية، فالعدوان ليس على حماس فقط بل على كل شيء في غزة .. البشر والشجر والحجر وحتى المقابر والأموات لم تسلم من القصف ، فالطائرات والزوارق والمدفعية الحربية الإسرائيلية تطلق قذائفها ولا تستثني أحدا، والوضع الإنساني أصبح لا إنساني ويزداد سوءا.
ما أن يطلع علينا نهار حتى نقول أن الليلة الماضية كانت الأسوأ من سابقاتها، ولكن الأيام الثلاثة الأخيرة وخاصة يوم الخميس كان الأسوأ بجميع المقاييس، فجيش الاحتلال أصبح يشدد استهدافه للعمارات والأبراج السكنية. عدد الشهداء تجاوز الألف والجرحى بالآلاف. الحياة في غزة أقل ما يمكن وصفها بأنها مليئة بالرعب، فلقد أصبحنا لا نميز صوت التفجيرات ولا أماكن سقوطها من شدة الضربات وأصبحنا نعيش على أصواتها والإحساس بالخوف يتزايد وفقدنا الإحساس بالوقت.
وفي المنطقة التي أسكن فيها "التوام" لم يبق فيها سوى عائلتي وعائلة أخرى نجتمع ليلا في مخزن أرضي خالي من الشبابيك والطقس شديدة البرودة وقارص فنحن في منتصف "الأربعينية" .
جيش الاحتلال كثف من غاراته البرية والبحرية والجوية وتوغل أكثر وأكثر حتى بتنا نسمع صوت جنازير الدبابات، واهتزاز الأرض من تحتنا، وأصوات قذائفها وقذائف الـ F16 من أبشع الأصوات بل "أحقرها" على الإطلاق، فلم يغمض لنا جفن منذ أيام. وحتى فترة التهدئة التي منحت لنا لنتنفس فيها قليلا لم تعد قائمة وانتهكت من قبل صواريخ وقنابل الجيش، أما أطفالي الثلاثة فقد وقفنا عاجزين أمامهم، فلا نستطيع أن نفعل لهم شيئا وجميع محاولاتنا قد استنفذت ولم تعد تنطلي عليهم،وما ينطبق على اولادي ينطبق على جميع الأطفال.
سألت ابني ذو الثمانية أعوام هل تخاف من القصف فأجاب بالنفي ولكنه أضاف :" نفسي ما أسمع صوتها وأنام بدون هز!!"، أما أصغرهم والذي يكمل عامه الثاني الشهر المقبل وحين سماع صوت طائرة حربية أو انفجار أو انغلاق الباب بسبب الرياح فإنه يقوم بإغلاق إذنيه و"ينبطح" أرضا.... نضحك قليلا ونبكي بداخلنا كثيرا على ما وصل إليه من حال.
ننام ونحن نلبس كامل ثيابنا المعدة للخروج وبطاقة الهوية في الجيب بسبب البرد أولا وبسبب توقعاتنا باقتحام الجيش للمنطقة وما يتبعه من اعتقالات كما فعلوا مع غيرنا.
طائرات ال F16 وفي منتصف ليل الثلاثاء قامت بقصف عمارة سكنية مكونة من 15 طبقة تبعد عني مئات الأمتار بست قنابل بمشاركة البوارج البحرية لتقضي على نصفه بشكل طولي وأبقت على النصف الآخر.أصحاب الشقق كانوا قد خرجوا ليلا وعادوا في اليوم التالي ليجمعوا ما تبقى لهم من أثاث صالح.
استبشرنا خيرا عندما صدر قرار الأمم المتحدة 1860 ولكن " تيتي تيتي زي ما رحتي زي ما جيتي" فقد عاد وفدنا العربي المناضل حاملا ورقة وعاد جيش الاحتلال ليقصفنا.
أشقاءنا العرب وليدعموا من صمودنا قاموا بالاتصال على هواتفنا النقالة، ليسمعونا كلمات الصمود والتحدي - كأنه الشيء الوحيد الذي ينقصنا- ولكن بعدها بقليل تلقينا اتصالات هاتفية من عرب أو يدعون أنهم "عرب" يتواجدون في ليبيا والجزائر واليمن وبعض الدول الخليجية ليسألونا بعد السؤال عن الحال هل عندكم مقاومة هل تكفي المقاومة وما نوع الأسلحة التي يحملونها...!!!!!
وضعنا الإنساني وصل حافة الانهيار وانهار لدى معظم العائلات التي غادرت منازلها، الكهرباء لا تصلنا سوى لسويعات منذ ستة أيام والمياه مقطوعة ولجأنا إلى البيوت الخالية المجاورة لبيتنا لنستغل المياه التي في الخزّانات . يذهب شخص واحد إلى السوق ليجلب ما توفر من مواد أساسية ويعود بأسرع ما يمكن فلا أحد يعرف أين تسقط القذيفة التالية.
الفسفور حرق كل شيء
نسبة الضحايا المدنيين تجاوزت 80% من بين الشهداء جراء القصف، عدد الشهداء حتى كتابة هذه الكلمات وصل إلى أكثر من 1040 شهيدا، هذا ما تم الوصول إليه من قبل رجال الإسعاف، عدد الإصابات تجاوز الـ 5000 إصابة بينهم 400 في حال الخطر، أنواع الإصابات مختلفة والجديد فيها الإصابة بالحروق وأية حروق، فجيش الاحتلال استخدم ولأول مرة لمواجهة الجيش الجرار من المدنيين العزل في غزة مادة الفسفور الأبيض، وهو سلاح محرم استخدامه ضد المدنيين أولا ويستخدم في حال الدفاع وليس الهجوم - إلا إن كنا نحن الذين هاجمنا جيش الدفاع "المسكين"، الفسفور الأبيض المستخدم في القنابل يتميز بشدة نشاطه الكيماوي، حيث انه يلتهب بمجرد تعرضه للأوكسجين، وبمجرد أن يلامس الفسفور الأبيض الهواء يشتعل ويتأكسد بشكل سريع وهذا التفاعل يؤدي إلى كمية كبيرة من الحرارة، بحيث يتولد لهب أصفر اللون ينتج دخاناً كثيفاً أبيض اللون يؤدي إلى الموت في حال استنشاقه، ولو كان من المسموح نشر الصور لرأيتم مدى بشاعة هذا السلاح الفتاك، فبالإضافة إلى البشر حرق الفسفور الأبيض كل شيء البيوت والمزارع والأشجار ولم يبق على شيء.