المشروع النووي الإيراني والطريق لمنحه الشرعية
*طهران تواصل تطوير برنامجها النووي على الرغم من العقوبات الاقتصادية والسياسية المفروضة عليها من المجتمع الدولي
*خلال فترتي الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش ارتفع حجم التبادل التجاري بين طهران وواشنطن بعشرات الأضعاف حسب الإحصائيات الرسمية
*الإمبريالية العالمية تريد استغلال البرنامج النووي الإيراني كفزاعة لتهديد الأنظمة العربية المعتدلة وغير المعتدلة في منطقة الشرق الأوسط
*الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما أعلن هذا الأسبوع عن قراره بإجراء مفاوضات مع طهران ووزير دفاعه يرفض اللجوء إلى الخيار العسكري
*الباكستان دولة إسلامية وتملك الأسلحة النووية، وبالتالي ما هو المانع في أن تسمح أمريكا لإيران امتلاك هذه الأسلحة شريطة التعاون معها في تمرير مصالحها؟
*تصريحات الرئيس الإيراني نجاد بأنّه سيمحو إسرائيل عن الخارطة تعود سلباً على الشعب الفلسطيني وتُستغل من قبل الدولة العبرية لتضخيم التهديد الإيراني عليها
*محادثات المصالحة الوطنية الفلسطينية يجب أن تشمل بنداً يحدد العلاقة بين الشعب الفلسطيني والنظام الحاكم في طهران
*إيران، قيادةً وشعباً، أعربت عن فرحتها العارمة بعد إعدام الرئيس الشهيد صدّام حسين ونجاد زار بلاد الرافدين الواقعة تحت الاحتلال الأمريكي
*هل باتت العلاقة الإيرانية مع الزمرة الحاكمة في العراق الطريق الذي سيوثق العلاقات بين أمريكا وطهران على حساب الأمّة العربية؟
*لماذا تواصل إيران احتلال الجزر العربية التابعة للإمارات العربية المتحدة وفي الوقت نفسه تطالب بتحرير فلسطين من الاحتلال الإسرائيلي؟
*أن الأوان لبلورة إستراتيجية عربية مشتركة للتلويح ببرامج نووية، فالأمّة العربية لا تنقصها الأموال ولا تنقصها الأدمغة، والمسألة مسألة إرادة فقط
تقرير زهير اندراوس-خاص بصحيفة "مع الحدث"
من حق الجمهورية الإسلامية الإيرانية العمل بشكل حثيث على زيادة نفوذها في منطقة الشرق الأوسط، ومن حقّها تطوير قدراتها النووية باعتبار أنّ العلاقات الدولية تُحدد من قبل موازين القوى، التخوف الأمريكي والإسرائيلي من زيادة حدّة النفوذ الإيراني في المنطقة هو تخوف مفهوم، ولكن على الرغم من الحملة العالمية، التي تقودها زعيمة محور الشر الإمبريالي، الولايات المتحدة الأمريكية، لوقف البرنامج النووي الإيراني، نلاحظ أنّ الإيرانيين يواصلون العمل، على الرغم من العقوبات السياسية والاقتصادية المفروضة عليهم من قبل ما يُسمى بالأسرة الدولية. أما فيما يتعلق بالتخوف العربي من امتداد الزحف الإيراني فيمكن اعتباره نتيجة طبيعية لأنظمة عربية يائسة وبائسة، تريد المحافظة على نفسها، وتخشى من أنّ تصدير الثورة الإيرانية قد يطيح بالحكام الذين وضعوا جميع البيض في السلة الأمريكية، ولا نكشف سراً إذا جزمنا بأنّ العديد من الأنظمة العربية هي بمثابة محميات طبيعية أمريكية، لأنّها بعيدة جداً عن أمال وألام شعوبها، ولا تتمتع بأيّ دعم شعبي بسبب مواصلتها التعامل مع الشعوب العربية المقموعة من منظار المخابرات، وتقوم بشراء الأسلحة لاستخدامها في الاستعراضات العسكرية، وقضية صفقات الأسلحة باتت محسومة: العرب لا يشترون الأسلحة لمحاربة الدولة العبرية وتحرير فلسطين، التي مضى على اغتصابها أكثر من ستين عاماً. إنّهم يشترون الأسلحة المتطورة لحماية أنظمتهم المتأرجحة والمرتبطة ارتباطاً عضوياً بالحماية الأمريكية، وعلى الرغم من أنّ سباق التسلح ما زال مسيطراً على منطقة الشرق الأوسط، فإنّ الجيش الإسرائيلي، حسب المصادر الأمنية في الدولة العبرية، يتمكن من التغلب على الجيوش العربية مجتمعة. ومع أننّا ضد إدخال الأسلحة النووية إلى منطقة الشرق الأوسط، نعتقد أنّه من واجبنا القومي والأخلاقي توجيه السؤال التالي إلى حكام الدول العربية: لماذا لا نسمع عن أي مشروع نووي عربي؟ هل تنقصنا الأموال؟ هل نعاني من أزمة أدمغة؟ أم أنّ رفض العم سام، هو السبب الرئيسي لعدم الشروع في مشروع نووي عربي؟ الحقيقة أنّ ما ينقصنا هو الإرادة، فالإرادة العربية مهزومة ومأزومة، وهنا مربط الفرس، وهنا بيت القصيد.
ولكن قبل الدخول في محاولة سبر أغوار السياسة الإيرانية وأبعادها وتداعياتها وإرهاصاتها على الأمّة العربية من المحيط إلى الخليج، لا بدّ من العودة ولو قليلاً إلى التاريخ: في العام 1979 انفجرت الثورة الإسلامية في إيران وأطاحت بالطاغية الشاه محمد رضا بهلوي، الذي كان من أكبر أصدقاء الدولة العبرية وأمريكا، تغيّر نظام الحكم وباتت الجمهورية الإسلامية الجديدة معادية لواشنطن وتل أبيب، ولكن بعد مرور سنة واحدة فقط علي الثورة اندلعت الحرب العراقية الإيرانية، التي استمرت علي مدار ثمانية أعوام، استنزفت الأخضر واليابس في الدولتين الجارتين، وحتى بعد إعلان وقف إطلاق النار واصلت طهران إظهار العداء المعلن لنظام الرئيس العراقي الراحل، الشهيد صدام حسين، وعندما قامت الحكومة المعينّة من قبل الاحتلال الأمريكي في بلاد الرافدين بإعدامه، فرح الإيرانيون قيادةً وشعباً، فيما بكي جميع أحرار العالم علي القائد البطل صدام، الذي اُعدم مرفوع الهامة ومنصوب القامة ليدخل التاريخ من أوسع أبوابه، خصوصاً وانّه قُدم أضحية في أول أيام عيد الأضحى المبارك.
علاوة على ما ذُكر أعلاه، علينا أن نتذّكر أنّ إيران ما زالت تحتل الجزر العربية: طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى، التابعة لدولة الإمارات العربية المتحدة، وترفض الانسحاب منها، علي الرغم من الطلبات المتكررة التي تقدمت بها الإمارات باعتبارها جزءاً عزيزاً لا يتجزأ من الدولة. في هذا السياق نُشدد على أنّ الاحتلال الإيراني لهذه الجزر هو وصمة عار في جبين القيادة الإيرانية، إذ لا يعقل أن يُطالب حكام طهران بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، في الوقت الذي يمارسون هم أنفسهم الاحتلال لجزر عربية، لا بل نقول أكثر من ذلك، الاحتلال هو احتلال، ولا يُمكن التفريق بين أنواع الاحتلال. والسؤال الذي نطرحه بفم مليء: لماذا هذا التعنت الإيراني؟ لماذا يرفض صناع القرار في طهران الاستجابة للنداءات المتكررة من قبل الإمارات العربية المتحدة والدول الخليجية والعربية بالانسحاب من الجزر، وإعادتها لأصحابها الشرعيين؟ هذا التعنت الإيراني يقودنا إلى التفكير بأنّ وراء الأكمة ما وراءها، وبأنّ العداء التاريخي بين الأمتين العربية والفارسية ما زال راسخاً في أذهان الإيرانيين، ونأمل أن يخيب ظننا.
نقطة ثانية نرى لزاماً علينا التطرق إليها تتعلق بتصريحات الرئيس الإيراني الحالي محمود أحمدي نجاد، الذي منذ أن اعتلي سدة الحكم، يُكرر الأسطوانة الممجوجة بأنّه سيعمل علي محو الدولة العبرية عن الخريطة. أولاً، نقول للسيد نجاد، إنّ الشعب العربي الفلسطيني سئم وملّ من الخطابات الرنانة والمتخشبة والمتحجرة، التي لا تُساهم في حلّ قضية هذا الشعب الجبار، الذي يئن تحت نير الاحتلال، إننّا نُريد دولة فلسطينية علمانية، إلي جانب دولة إسرائيل، شريطة أن تكون القدس المحتلة عاصمتها، مضافاً إلي ذلك، ضمان حق عودة اللاجئين الفلسطينيين الذين شُردوا في النكبة المشؤومة عام 1948 إلي أرضهم ووطنهم، جميع اللاجئين، لأنّه باعتقادنا المتواضع، فإنّ العودة أهّم من الدولة. مضافاً إلى ذلك، فإنّ المصالحة الوطنية الفلسطينية يجب أن تشمل بنداً يتعلق بتحديد علاقة الشعب الفلسطيني وقيادته بالجمهورية الإسلامية في إيران، لأنّ هذه العلاقات باتت موضوعاً رئيسياً في التراشق الكلامي والاتهامات المتبادلة بين حركة فتح وحركة حماس.
هذا من ناحية، من ناحية أخرى لا نتجنى علي أحد إذا قلنا بصريح العبارة إنّ التهديدات الفارغة من أي مضمون بمحو إسرائيل عن الخريطة، تخدم أقطاب الدولة العبرية، فهذه الخطابات تُستغل من قبل صناع القرار في تل أبيب لحشد الرأي العام العالمي لصالحها ولصالح التهديد الوجودي المزعوم عليها من قبل إيران، التي تُتهم من قبل قادة دولة الاحتلال، بأنّها تُقدم الدعم المادي والمعنوي لعدد من فصائل المقاومة الفلسطينية، وتحديداً حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وهما كما هو معروف، حماس والجهاد هما حركتان إسلاميتان تقاومان من أجل طرد المحتل الإسرائيلي، وتسعيان في نهاية المطاف إلى إقامة دولة خلافة إسلامية على كامل التراب الفلسطيني، وهو الأمر الذي تعارضه فئات واسعة من أبناء الشعب العربي الفلسطيني، وبحق.
من هذا المنطلق نسمح لأنفسنا بأن نتوجه لحكام إيران، وتحديداً للرئيس نجاد ونقول له: كفانا شعارات رنّانة، وعلينا أن نُسّلم بالأمر الواقع في ظل عدم التكافؤ بيننا وبين إسرائيل، لأنّ مواصلة استخدام هذه المصطلحات والتهديدات الفارغة من أيّ مضمون، القضاء على إسرائيل التي تمتلك أكثر من مائتي رأس نووي، تعود سلباً علي الشعب الفلسطيني وعلي الأمة العربية برمتها. وفي هذه العجالة نرفض رفضاً قاطعاً ادعاءات أقطاب من حركة فتح بأنّ إيران لم تُقدم للفلسطينيين منذ الثورة الإسلامية سوى الأسلحة لحركة حماس لقتل أبناء حركة فتح في المناطق المحتلة منذ عدوان الخامس من حزيران (يونيو) من العام 1967، ونؤكد أنّ حركة حماس لا تقوم بأعمال القتل، ولا حاجة لإقحام الأموال الإيرانية في الصراع المستفحل بين أبناء الشعب الواحد في فلسطين الآن حول عملية إعادة إعمار قطاع غزّة، الذي دمرته آلة الحرب الإسرائيلية في العدوان البربري الذي استمر 22 يوماً على قطاع غزّة.
أما القضية الثالثة التي نُريد التوقف عندها في هذا السياق فتتعلق بزيارة الرئيس الإيراني السنة الماضية إلي العراق المحتل من قبل الأعداء الأمريكيين. لا نفهم ولا نتفهم كيف يقوم رئيس دولة إقليمية مهمة في المنطقة بالقيام بزيارة إلي دولة محكومة من قبل شخصيات عينّها الاحتلال الأمريكي؟ كيف يُمكن أن نُفسر لأنفسنا هذه الزيارة؟ هل بنظر القيادة الإيرانية باتت العراق دولة مُحرّرة من الإمبريالية العالمية؟ وأكثر من ذلك، لن نتورع عن توجيه السؤال وبصوت عال: هل العامل المذهبي تغلّب علي العامل الأخلاقي والوطني؟ نحن نميل إلي الترجيح بأنّ هذه الزيارة التاريخية للرئيس الإيراني هي وصمة عار في جبين النظام الحاكم في طهران، لأنّ رئيسه قام بزيارة بلد عربي محتل، من أمريكا التي تُعتبر بنظر الإيرانيين، العدو الأول.
لا ندري ولا نعلم ماذا دار في المحادثات المكثفة التي أجراها السيد نجاد مع حكام العراق الجدد، ولكن يُسمح لنا أن نفكر جلياً: هل باتت الطريق إلي واشنطن تمر عبر هذه الطغمة الحاكمة؟ أو بكلمات أكثر وضوحاً: هل النظام الإيراني، الذي يُمكن وصفه بالانتهازي، يريد أن يُحسن علاقاته مع الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق توطيد العلاقات مع رئيس الوزراء نوري المالكي، والرئيس العراقي جلال الطالباني، لمنع الهجوم العسكري الذي تُخطط له واشنطن بهدف ضرب البرنامج النووي الإيراني؟ نسوق هذا التساؤل، علي الرغم من قناعتنا العميقة بأنّ أمريكا لن توجه ضربة عسكرية لإيران، لأسباب عديدة أولّها وأهمها أنّها تريد استعمال هذا النظام كفزاعة لتهديد الدول العربية المعتدلة والمتطرفة منها، حسب التصنيف الأمريكي والإسرائيلي. جدير بالذكر، أنّه رغم الحرب الكلامية المعلنة بين واشنطن وطهران، إلا أنّ الصادرات الأمريكية لإيران زادت عشرة أمثال خلال عهد بوش، حيث أكد تقرير لوكالة أنباء (الاسوشيتدبرس)، نقلاً عن مصادر حكومية، أنّ حجم الصادرات الأمريكية لإيران كان 8.3 مليون دولار عام 2001 وقد تضاعف، مع الأخذ في الحسبان معدلات التضخم، ليصل إلى 146 مليون دولار العام 2007، وبلغ إجمالي قيمة الصادرات في هذه الفترة 546 مليون دولار، وحاول مسؤولون تفسير ذلك بالقول إنّ العقوبات لا تستهدف الشعب الإيراني ولكن تستهدف النظام ذاته، على حد تعبيرها.
والآن، بعد تسلم الرئيس الأمريكي الجديد، باراك أوباما، مهام منصبه الجديد، سوف تتغيّر السياسة الأمريكية في تعاملها مع إيران، إذ أنّ أوباما أعلن خلال حملته الانتخابية أنّه يؤيد المفاوضات مع حكام إيران لإقناعهم بالعدول عن مواصلة تطوير اليورانيوم من أجل إنتاج القنبلة النووية، هذا التغيّر الإستراتيجي في السياسة الأمريكية تجاه إيران، يجعلنا نشك في وجود تقاطع مصالح بين واشنطن وطهران، ومن غير المستبعد بالمرة أن تؤدي هذه المفاوضات إلى السماح لإيران بالانضمام إلى نادي الدول النووية، فها هي دولة الباكستان، دولة إسلامية غير عربية، مثل إيران، تملك الأسلحة النووية، وتقيم علاقات صداقة متينة مع الأمريكيين، وها هي الهند أيضاً، جارة الباكستان، تملك الأسلحة النووية. من هنا، نعتقد أنّ الأمّة العربية بحاجة ماسة إلى بلورة إستراتيجية جديدة، بعيداً عن الخلافات المصطنعة، لمواجهة السيناريو بأنّ تتوصل طهران وواشنطن لاتفاق حول الأسلحة النووية، لأنّ مواصلة اعتماد العرب على تكتيكات أكل الدهر عليها وشرب، سيدفع هذه الأمّة إلى الخروج من المولد بدون حمص.