عربان التواطؤ وكسر المقاومة
زهير اندراوس
رئيس حكومة تصريف الأعمال، السيد ايهود أولمرت، أطلق أول من أمس، الأربعاء، تصريحاً خلال جلسة المجلس الوزاري الأمني والسياسي المُصغّر قال فيه إنّ العديد من الزعماء العرب يتصلون معه ويحثونه على مواصلة المجزرة التي يُنفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، ونحن نميل إلى الترجيح بأنّ الرجل يقول الحقيقة، ولكن ليس كل الحقيقة، فالمؤامرة العربية على الشعب الفلسطيني أكبر من ذلك بكثير، وهدفها تركيع هذا الشعب وتنصيب رئيس يصل على متن الدبابات الإسرائيلية، على نسق الخونة والعملاء من الصف الأول والثاني في العراق، الذين شاركوا في تحريض مجرم الحرب، جورج بوش، على احتلال بلادهم في العام 2003، وعادوا إلى العراق على متن المقاتلات الحربية الأمريكية.
ولكنّ الأخطر من ذلك، هو أنّ العدوان الإجرامي على غزة، كشف حقيقة الدول الأوروبية ونفاقها الذي لا حدود له، الشعب الفلسطيني يُذبح، وأوروبا الديمقراطية والمحافظة على حقوق الإنسان تلتزم الصمت المطبق حيال ما يجري، وتُطلق مبادرة لوقف إطلاق النار من دوافع إنسانية، والدولة العبرية المتعطشة لدماء الفلسطينيين، ترفضها بوقاحتها المعهودة، فهي دولة مارقة بامتياز لم تُنفذ منذ إقامتها في العام 1948 أكثر من ستين قراراً صادراً عن الجمعية العمومية ومجلس الأمن الدولي، وعلى الرغم من ذلك، ما زال عرب الاعتدال والتواطؤ يُعوّلون على ما يُسمى بالأسرة الدولية والمجتمع الدولي.
وهؤلاء العرب المتواطئين مع المشروع الإسرائيلي الأمريكي اكتشفوا أنّ العدو الحقيقي للشعب الفلسطيني موجود في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبالتالي أطلقوا العنان لصحافتهم لمهاجمة طهران واتهامها بأنّها تعمل على اختلاق نزاعات هنا وهناك لصرف أنظار العالم عن برنامجها النووي، وتستغل تارة حزب الله وتارة حركة حماس لتمرير مشروعها، على حد تعبير عربان التواطؤ، الذي فقدوا جميع ميّزات الخجل، وباتوا يكتبون بصراحة متناهية ضد إيران، ويتهمون حماس بالمسؤولية عمّا يحدث في غزة، حتى يتخيل للإنسان العادي إنّ إيران هي التي تذبح الشعب الفلسطيني وليس إسرائيل، هذه التحليلات التي تُنشر في وسائل الإعلام العربية المتواطئة مع حكام الاعتدال، تخدم أولاً وأخيراً الأجندة الأمريكية والإسرائيلية وأيضاً الإيرانية.
الأهم من هذا وذاك أنّ العدوان على غزة كشف حقيقة الصراع في منطقة الشرق الأوسط، النظم الحاكمة في دول الاعتدال والتواطؤ تريد أن تقضي على كل شيء يتعلق بخيار المقاومة، لأنّ مواصلة حماس اعتماد هذا الأسلوب، وفق منطقهم، يجعل الطريق أمام التطبيع الكامل مع الدولة العبرية أمراً مستحيلاً، المعركة التي يدفع الشعب الفلسطيني اليوم ثمنها هي معركة لإنهاء المقاومة كخيار لتحرير الأرض والإنسان، ولكنّ الرياح تجري بما لا تشتهي سفن التواطؤ، فالمقاومة في لبنان وفي فلسطين ما زالت صامدة، ولن تخضع ولن تركع على الرغم من أنّ المؤامرة كبيرة وخطيرة ومدبرّة بصورة ممتازة، وتعتمد فيما تعتمد على تحميل الضحية المسؤولية وتتجاهل الجزار الإسرائيلي ومعاونيه من العرب والعجم.
القضية الفلسطينية باعتقادنا المتواضع تمر في أخطر مراحلها، وعملية تصفيتها بالمزاد العلني من قبل تل أبيب وواشنطن ودول التواطؤ مستمرة، وتنبع خطورتها من أنّ من يحكم رام الله، أي محمود عبّاس والزمرة المحيطة به، يشجعون إسرائيل على تصفية المقاومة لكي يواصلوا عملية السلام العبثية مع إسرائيل، ولكن هذا التيار المتواطئ لن ينجح، لأنّ الشعب الفلسطيني، الذي ضحى يأثمن ما يملك لن يسمح لهؤلاء بتطبيق نموذج أفغانستان على أرض فلسطين المعطرّة بدماء الشهداء الأبرار.