طهارة السلاح وسفاهة العقول والإعلام
عبد الحكيم مفيد
في سياق رده على التقرير الذي نشرته صحيفة هآرتس الخميس الماضي حول ما رشح من ممارسات جيش الاحتلال في الحرب على غزة, أكد وزير الأمن الإسرائيلي أيهود براك أن الجيش "الإسرائيلي هو أكثر جيش أخلاقي في العالم",أما رئيس الأركان في الجيش الإسرائيلي جابي اشكنازي فأشار انه "لا يؤمن أن الجيش الإسرائيلي مس بالمدنيين".
طبعا لا تحتاج الحرب على غزة إلى أية شهادة أو وثيقة من أي نوع حتى وان كانت من الجنود والضباط الإسرائيليين لفهم حجم بشاعة هذه الحرب, فتلك أظن مسالة محسومة على اعتبار أن الناس شاهدوها بالبث المباشر, أي هي لا تحتاج إلى دليل من أي نوع, لان الحرب هي الحرب وجريمتها كذلك أن قتل واحد أو 4000 وان هدم بيت أو 3000 بيت.
مثل الأدلة التي نشرتها هآرتس في تقريرها قد تقوي الرواية التي لا يختلف عليها احد, رواية الجريمة, لكنها في ذات الوقت قد تمثل وجهة نظر أخرى للحرب, فهي تفهم بالنسبة للناس على أنها الحالة الشاذة في الحرب, وعرضها يبوح بطهارة الحرب قبل أن يبوح بطهارة السلاح.
هذه مسالة قديمة في الحروب ,تستعمل بشكل واع في تقديرنا لإضفاء الشرعية على الفعل ونزع الشرعية عن "الشاذ" منه.
على رأي ايهود براك وهو يعقب على التقرير, وبعد أن أكد أن "جيشنا هو الأكثر أخلاقيا في العالم", فان ما حدث من كشف هو أمر طبيعي للغاية, "أنت تعرف جنودنا تحدثوا بعد الحرب وهناك مما حدث ما أقلقهم لأسباب ضميرية وهكذا تحدثوا",كما قال براك للصحافة.
إذن مسالة الكشف هي مسالة ضميرية, والآن نحن لا نتحدث عن طهارة السلاح فقط بل أن هناك "ضميرا" خلف هذا الكشف, والمعنى, أن الضمير تصرف كما يجب أن يتصرف ولم ير أن هناك أي شاذ في عمله ألا ما أتاح له ضميره من كشف .
طبعا كل واحد منا يعرف انه لا طهارة للسلاح الذي يتحدث عنه براك, والمصطلح هو اكتشاف إسرائيلي أو "براءة اختراع",تستعمل عادة لإجراء تمييز وهمي بين الأفعال هو في حقيقة الأمر غير قائم ولا يمكن أن يكون أصلا, إلا لهدف واحد إضفاء الشرعية على الجرائم الكبيرة ,أو ما هو ليس شرعيا, الأمر الذي يحتاج إلى نزع الشرعية عن بعض هذه الأفعال.
الأمر ليس جديدا, من حين لآخر كانت قوات الاحتلال الأمريكية تسمح بنشر بعض الأفعال "الشاذة" التي يرتكبها جنودها في العراق بهدف إشغال الرأي العام بأفعال ليست أكثر إجرامية من أفعال تقوم بها كل يوم وعلى مدار السنة.
في كل الحالات يشارك الإعلام عن وعي بمثل هذه الكشوفات ,فالحروب تدار هناك, وما يكشف عنه يصبح مهما وما لا يصل إلى الشاشة يصبح تحصيل حاصل ,بغض النظر عن حجم بشاعته, وهو أسلوب قديم يستعمل لإضفاء الشرعية على أفعال لم تكن شرعية من أساسها.
لماذا نقول مثل هذا الكلام بثقة تامة, لان الإعلام الذي شارك في الحرب وامتنع عن نشر أية معلومة صغيرة في العدوان على غزة,هو ذاته الذي "يكشف" الآن "جرائمه البشعة",وهو أمر لا يجتمع مع منطق الإعلام الإسرائيلي في الحرب على غزة.
مثل هذا الأمر بالضبط يستعمل في إضفاء الشرعية على الاستيطان, حين يتم الحديث عن "المستوطنات غير القانونية", الأمر الذي يشير إلى وجود "مستوطنات قانونية",والاستيطان يبقى استيطانا مهما أضفي عليه من صفات, ليس هناك قتلا لطيفا ولا سرقة مؤدبة, ولا طهارة سلاح.