امركة العولمة
أسامه الدندشي
مدخل
العولمةobalization مصطلح جديد ادخل إلى اللغة العربية حديثا, وهو فعل ثلاثي مزيد على وزن فعلل و فوعل, وأجاز اللغويون مثل هذا الاستحداث على أ وزان الأفعال والألفاظ الموجودة أصلا في اللغة, كدحرج وقولب وحوقل وكوكب وجيش....... وهو جمع لا مفردة له كالجيش.
ورغم اشتقاق العولمة من العالم, واتفاقهما في الانتشار على مساحة هذا الكوكب, فهما مختلفان في جوهريهما ,كما يبدوا في معناهما اللغوي ,فالعالميةinternational تحمل في بنيتها وسماتها الجوهرية خصائص انتشارها عالميا, وقبولها من الأخر طوعا, فإبراهيم الخليل رجل عالمي, لخصائصه الذاتية والشخصية, وقصة احدب نوتردام عالمية لبنيانها القصصي والأدبي بذاته ,والبيبسي كولا عالمية لمذاقها وطعمها بزاتها, كذلك الأديان والهاتف والمذياع......بينما الأفعال التي على وزن فعلل و فوعل, مثل دحرج وقولب وجو قل وعولم ,يشير معناها إلى حدوث تغييرا فيزيائيا في المادة,بقوة خارجية: فالدحرجة تتم بالدفع للتسارع والحركة,والقولبة تتم بالطرق والدق والحرارة لتشكيل القالب بالقوة,والعولمة حدث كوني للتغيير بالقوة,وعلى العالم قبول هذا التغيير طوعا أو كراهية , والعولمة مصطلح غير واضح المعالم والسمات,ولم يزل في طور النمو والتكامل والوضوح, وعلى العموم غلب المفكرون في تعريف العولمة , العامل الاقتصادي دون التقليل من أثارها السياسية والاجتماعية والثقافية والجغرافية, وعظموا العاملين ألمعلوماتي والتكنولوجي ودورهما المتطور والمتقدم في انكماش المسافة والزمن.
واختلف المفكرون في العالم المعولم بفتح اللام , بين اليمين الذي يرى في العولمة ظاهرة ايجابية, تقضي على التخلف والفقر في دول الأطراف, وبين اليسار الذين يرى في العولمة ظاهرة سلبية, تسعى لعودة الإمبريالية بثوب أخر ويقف بين الطرفين "الدين" بصورة عامة والإسلام بصورة خاصة, الذي يختلف أيديولوجيا مع الغرب وتحديدا مع الولايات المتحدة الأمريكية , حيث الصور النمطية المتبادلة ,رسمها بدقة رئيس المستعمرات البريطانية (أورمسبي غو) حين قال لرئيس حكومته بتاريخ 9 يناير (كانون الثاني) 1938م ما يأتي: (إن الحرب علمتنا أن الوحدة الإسلامية هي الخطر الأعظم الذي ينبغي على الإمبراطورية أن تحذره وتحاربه، وليس الإمبراطورية وحدها، بل فرنسا أيضاً، ولفرحتنا فقد ذهبت الخلافة، وأتمنى أن تكون إلى غير رجعة. إن سياستنا الموالية للعرب في الحرب العظمى (يعني الأولى) لم تكن مجرد نتائج لمتطلبات (تكتيكية) ضد الفوات التركية، بل كانت مخططة أيضاً لفصل السيطرة على المدينتين المقدستين مكة والمدينة عن الخلافة العثمانية التي كانت قائمة آنذاك. ولسعادتنا فإن كمال أتاتورك لم يضع تركيا في مسار قومي علماني فقط، بل أدخل إصلاحات بعيدة الأثر، أدت بالفعل إلى نقض معالم تركيا الإسلامية"1 ولعل ذلك سببا رئيسيا من أسباب تخوف الإسلام من كل ماهو قادم من الغرب , لذلك ترى التيارات الإسلامية" ثمة فرق بين عالمية الإسلام والعولمة , الإسلام يقوم على العدل , ويعترف بحق الأخر في الدين والرأي المخالف ,أما العولمة فتقوم على الظلم والاستكبار الغربي ,وضد مصالح الشعوب الفقيرة الأخرى, وفقا لسياسة التبعية للعالم الثالث المتأخر" 1" وأن الهدف الحقيقي للعولمة هو الهيمنة,وان تغيرت الأشكال والألوان ,لكن الجوهر واحد,وهي تفوق الإنسان الغربي وتمجيد اختياراته ,وعظمة ثقافته وقيمه وضرورة إخضاع الناس له مهما كان الثمن فادحا قال تعالى" فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ 2
بينما برهان غليون في دراسة أكاديمية يرى "تتطابق العولمة المسيطرة عالميا اليوم مع استراتيجية إحياء الليبرالية الاقتصادية الكلاسيكية. وتتخذ العولمة شكل التطبيق الحرفي لبرنامج العولمة الليبرالي القائم على تأكيد أسبقية المنطق الاقتصادي في إعادة تنظيم العلاقات الدولية".3
غير أن الدكتور صادق جلال العظم ينظر إلى العولمة نظرة موضوعية,سابرا أغوار ما يجري في السوق فيقول:" العولمة "هي وصول نمط الانتاج الرأسمالي عند منتصف هذا القرن تقريبا إلى نقطة الانتقال من عالمية دائرة الإنتاج والتوزيع والسوق والتجارة والتداول إلى عالمية دائرة الانتاج وإعادة الإنتاج ذاتها " 4
بينما الدكتور حسن حنفي يرى أن العولمة عودة الاستعمار بلباس أخر يقول" العولمة في مظهرها الأساسي تكتل اقتصادي للقوى العظمى للاستثمار بثروات العالم, ومواده الأولية وأسواقه,على حساب الشعوب الفقيرة, واحتواء المركز للأطراف التي حاولت الفكاك منه في الخمسينات5 .
ويعرف رونا رد روبر تسون المفكر البريطاني العولمة على أنها"اتجاه تاريخي نحو انكماش العالم وازدياد وعي الأفراد والمجتمعات بهذا الانكماش" وينظر جيمس متلمان إلى العولمة على أنها ,"مصفوفة من العمليات المتداخلة والمرتبطة ببعضها, وليس كعملية أحادية تدور بشكل مركزي حول الاقتصاد المعولم، وانتقال تطبيقات السوق الحر إلى مرحلة غير مسبوقة جغرافيا حيث تتحول الكرة الأرضية إلى قرية صغيرة موحدة الحدود والسياسة والثقافة والدين, ويقول مالكم واترز صاحب كتاب العولمة" هي كل المستجدات والتطورات, التي تسعى بقصد أو بدون قصد إلى دمج سكان العالم في مجتمع عالمي واحد
البعد التاريخي للعولمة
كل عدة مئات من السنين,يمر العالم بتحولات هامة,مدفوعا بقوانين الطبيعة الصارمة مادية كانت أو إنسانية وإعادة ترميم كل الخروقات التي أصابتها , وكثيرا ما تؤدي الاكتشافات وتطور العلوم- كاكتشاف النار أو المعادن أو ورق الكتابة أو القطار والسيارة ....... أو الديموقراطية, أو الرأسمالية والشيوعية.....- بالضرورة إلى تغيير وخلل في الضوابط التي تنظم جملة العلاقات الخلقية في الطبيعة والإنسانية , فكثيرا من القوانين أو العادات تصبح قديمة , ولا تلبي معطيات التطورات المستجدة, وهنا تقتضي الضرورة إعادة تطبيع جديدة,لكل القيم الثقافية والمدنية والتجارية ومفهوم الدولة والمجتمع والإنتاج والهجرة والاستقرار والحرب والسلام.... وإدخال مفاهيم جديدة تنظم العلاقة بين الفرد والمجتمع, سواء كان قبيلة أو مجموعة ارتضت العيش معا ,أو مجتمعا مدنيا , وبين الإنسان والطبيعة, وحينها ينشغل المفكرون في الحديث عن نظام عالمي الجديد, والبسطاء "عن دنيا أخر الزمان".
"والعولمة ليست ظاهرة جديدة, بل قديمة قدم التاريخ ,عندما كانت تتصدر حضارة ما كباقي الحضارات , وتقود العالم.قام بذلك مجموع الشرق مرة في الصين , والهند , وفارس, وما بين النهرين, وكنعان , ومصر , وقامت بذلك الحضارة العربية الإسلامية"6
"ولعل في قول هارون الرشيد الخليفة العباسي المشهور,لغيمة سابحة في عنان السماء:"أمطري أينما شئت فخراجك عائد إلي"خير ما يؤكد ذلك, افليس هذا ضربا من ضروب العولمة؟ بلى وبكل تأكيد, فهذه سيرورة الحضارة والتاريخ, الأقوى هو الذي يعولم العالم كما يشاءوكما تقضي مصالحه".7
و"هذه الظاهرة هي التطور الطبيعي للحضارة منذ أقدم الحقب التاريخية, حيث انتقلت تقنيات الثورة التقنية الأولى المسماة بالعصر الحجري,ثم التقنيات المرتبطة بالعصر الحديدي...... فالزراعي والتي بدأت (منذ) عدة ألوف من السنين قبل الميلاد " 8
وفي القرن التاسع عشر, أدى تطور العلوم, وتقدم الاكتشافات, وازدهار الصناعة والتجارة في أوروبا , إلى تطور وازدهار الصناعة وبالتالي رأس المال
المادي والمعرفي وبالتالي الإنتاجي , في ظل الدولة القومية ,ورافق ذلك تراكما وازديادا في الإنتاج, فاض عن الحاجة القومية , وشكل فائض المنتج ضغطا على الدولة القومية , التي تدير وترعى الإنتاج تخطيطا وتنظيما , والمسئولة عن فتح معابر حدودية إلى الأسواق الإقليمية والقارية,وكثيرا ما أدى الصراع حول هذه المعابر ,وحول مواطن المواد الخام إلى أزمات سياسية, وبالتالي إلى حروب طاحنة أشرسها الحربين العالميتين , التي دفعت أوربا ثمنهما الباهظ بشريا وعمرانيا ,والدول العربية والعالم الثالث سددت فواتير هذه الحروب , و زالت من الوجود إمبراطوريات كانت بالأمس عظيمة, وطفت على السطح قوى جديدة,
وعندما حطت الحرب الثانية أوزارها,كان قد تم اكتشاف القنبلة الذرية,وتم تغييرا في مراكز القوى , وفي الجغرافية العالمية, وبدأ الحديث " عن دنيا أخر الزمان" وعن" نظام عالمي جديد" للمنتصرين ,يعاد به تنظيم العالم وفق المستجدات التي خلفتها الحربين, ووفق الملامح الجديدة للقوى الصاعدة وأنظمتها السياسية والاقتصادية والثقافية,فتأسست " الأمم المتحدة" , ومعاهدة جنيف , وحقوق الإنسان في السلم والحرب,وحقوق المرأة , والبنك الدولي ,وصندوق النقد الدولي, والاستعمار بمعنى "الأعمار ,وبشر الكثير من المفكرين, عن عالم جديد قادم , يشهد توزيعا عادلا للثروة المادية والمعرفية والتكنولوجيا الصناعية, وتعميم الرخاء والنعيم والسلام في العالم ,ولأجل ذلك كله تقاسمت الدول المتقدمة "المنتصرة" العالم المتأخر لتأهيله حضاريا وتقنيا , ليأخذ دور الشريك في خيرات هذا الكون.
واهم ملامح هذه المرحلة, انقسام العالم إلى معسكرين مختلفي الأيديولوجية, جرى بينهم سباقا نوويا محموم.
المعسكر الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة, والمعسكر الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفيتي,
وعلى حساب فقراء الشعوب المستعمرة في الأطراف, طورت أوروبا أبحاثها العسكرية , التي يعود لها الفضل في التقدم الهائل للتكنولوجيا والمعلوماتية.
وعلى حساب رفاهية شعوب الاتحاد السوفيتي والدول التي تمحورت معه,تقد مت الصناعة العسكرية الشرقية , وأدى هذا السباق , إلى تعميق الهوة بين الشرق والغرب وازداد الأغنياء غنا والفقراء فقرا