كتب جاكي خوري في صحيفة معاريف مقاا تحت عنوان" في رأس صدام" (وثيقة: بعد سنتين ونصف من اعدام صدام حسين تنشر الـ أف.بي.أي الاوراق التامة للتحقيقات معه في زنزانة اعتقاله)
بقلم: جاكي حوجي
(المضمون: سلسلة لقاءات مع صدام حسين اجراه موظف رسمي امريكي من الـ اف.بي.اي تنشر لاول مرة )
ترجمة المصدر
قبل لحظة من غرقه النهائي في خبايا الذاكرة، تظهر علينا مرة اخرى روح صدام حسين، بتفضل من سلطات القانون الأمريكية. بعد وقت قصير من اعتقاله في كانون الأول 2003، بعد نهاية 9 أشهر من الهرب، بدأ محقق الـ اف.بي.اي جورج ل.بيرو يلتقي صداما في زنزانته. اجري في الحصيلة العامة 27 لقاء، تمت بين الأول من كانون الثاني 2004 الى 28 من حزيران من ذلك العام. بيرو، وهو امريكي من أصل لبناني، تحدث الى صدام بالعربية ووثق الاحاديث بالعربية والانكليزية.
تم الحفاظ على صدام حتى إعدامه شنقا في كانون الاول 2006 في منشأة خاصة للجيش الامريكي في مطار بغداد. أحسن العراقيون الاستمرار على النضال من غيره. فأهل السنة قتلوا الشيعة، وانتقم الشيعة من أهل السنة، وكلاهما معا قتل المحتل الاجنبي. أقام ضباط جيش صدام، الذي تبدد عصابات مسلحة ونفذوا أفظع الجرائم. فقد قاموا بالقضاء على عائلات شيعية كاملة، وفجروا مساجد، وقتلوا حجاجا، وقطعوا أعناق مختطفين وغرقوا آلافا في دجلة. منذ اللحظة التي اعتقل فيها رئيسهم لم يعلم شيئا عن كل هذا. لقد استمد من شظايا معلومات كشفها له سجانوه.
كان صدام حذرا ألا يجرم نفسه في التحقيقات معه. ولهذا أثمرت لقاءاته مع بيرو القليلة جدا من الأدلة على جرائم محددة. أدلة قليلة لكن المعلومات كثيرة جدا. والنتيجة هي وثيقة شهادة مثيرة، تكشف عن أفكار وشهادات وقصص من ذهن صدام المحموم، بدايتها في أيامه كثوري شاب في صفوف البعث في نهاية الخمسينيات وتنتهي عشية الغزو الأمريكي.
حرص بيرو كالمناسب لموظف أمريكي مخلص على لغة إبلاغ بعيدة. فقد رفض أن يذكر الاسم الخاص للزعيم المعتقل وسمى نفسه "مجري المقابلة". اللهجة الجافة تناقض ثراء المادة. علم كلاهما، صدام وبيرو أيضا جيدا أنهما لا يتحدثان بعضهما إلى بعض بل إلى التاريخ. بل إن "المعتقل رقم 1" طلب في أحد اللقاءات من محققه، أنه إذا كان ينوي إصدار أوراق التحقيق في كتاب فليهتم بنشره بالعربية أيضا.
قبل ثلاثة اسابيع كشفت الـ اف.بي.اي لأول مرة عن تقارير التحقيق هذه. الحديث في الحصيلة العامة عن 131 صفحة مطبوعة بحروف مزدحمة. أتت صحيفة "سوف شفوع" (معاريف) بخلاصة التقارير بلغتها.
كل شيء بيد الله
7 شباط 2004: المقابلة رقم 1
سأل صدام ما هي الأخطاء التي قام بها في رأيه، وأجاب أن الله وحده بريء من الأخطاء. "اذا كان شخص يزعم أنه كامل فانه يقول انه يشبه الله. إن 30 مليون من البشر تقريبا يعيشون تحت خط الفقر في أمريكا، لكن مواطني الولايات المتحدة لا يرون ذلك جريمة. لم أكن لأقبل شيئا كهذا في العراق".
عندما سئل ثانية عن الأخطاء التي قام بها، أجاب بسؤال منه: "أتظن أن أقول لعدوي أنني قمت بأخطاء؟". وهو يذكر أنه لا يرى مجري المقابلة عدوا ولا الشعب الأمريكي بل الإدارة الأمريكية فقط.
صدام: "ليس فقط ما يقولونه عني اليوم مهم بل ما سيقولون في المستقبل أيضا، بعد 500 سنة أو ألف سنة من الآن. لكن الأهم ما يعلمه الله. إذا كان الله يؤمن بشيء ما فانه سيجعل الناس يؤمنون به. وإذا لم يوافق الله فليس مهما ما الذي يفكر به الناس".
زعم صدام أن خائنا سلم المعلومات التي أفضت إلى اعتقاله. "أحفاد هذا الخائن سيطرحون عليه المسؤولية ويقصون ذلك على الأجيال المقبلة".
يؤمن صدام أنهم سيتذكرونه في المستقبل كزعيم عادل واجه القمع. على أية حال العراقيون هم الذين سيقررون ما يعتقدونه فيه.
يؤمن صدام بأن "العراق لن يموت. العراق أمة كبيرة اليوم كما كانت على طول التاريخ. الأمم تبلغ أوجها مرة واحدة فقط. أما العراق بمقابلة ذلك فكان هنالك مرات كثيرة، قبل الاسلام وبعده. العراق هو الأمة الوحيدة في تاريخ العالم التي كانت كذلك. الله أعطى الشعب العراقي هذه الهدية. عندما يسقط الشعب العراقي ينهض من جديد".
يؤمن صدام بأن العراق سيتقدم في جميع المجالات، الاقتصاد والدين وما أشبه. وأضاف: "كشخص انساني، أؤمل الشيء نفسه للشعب الامريكي".
يقتبس صدام قطعة من كتاب "زبيبة والملك"، الذي تنسب كتابته اليه. في القطعة المذكورة يصرخ اعضاء البرلمان: "يحيا زبيبة، يحيا الشعب، يحيا الجيش". لا يصرخون "يحيا الملك". سئل صدام هل سيرفض الشعب العراقي او ينسى ان يصرخ ممتدحا اياه فأجاب: "لا". بعد ذلك قال: "هذا بيد الله".
أكد صدام ان الملك ليس الاصل في الكتاب بل الشعب، واضاف ان المسيح يعد "واحدا من الشعب وعاش بينهم. اراد الله ان يقول لنا، لا تتفاجأوا عندما يخونكم بشر". وأنهى هذا الجزء من النقاش بقوله: "لا يستطيع أسير أن يفعل شيئا للشعب". وقال انه ما زال عنده ايمان بالله وكرر: "هذا بيد الله".
اقتبس صدام قطعة أخرى من كتاب "زبيبة والملك" جاء فيها: "أنا زعيم عظيم. عليكم ان تطيعوني. لا هذا فقط بل عليكم ان تحبوني ايضا". بعد ذلك سئل هل يستطيع زعيم أن يكون على ثقة من أنه أتى شعبه بانجازات أو ان يؤمن نفسه بوساطة الخوف. وقال الخوف لا يصنع الحاكم ولا يجعل الشعب يحبه. فالحب يأتي من طريق الاتصال. ان مؤلف هذا الكتاب يشبه الملك بملوك الماضي. لم يرد ان يؤكد او ان يدافع عن فكرة الملكية للشعب لان "المؤلف" لا يوافق على هذه الصورة من الحكم. "لهذا مات الملك وبقيت زبيبة حية، كرمز للشعب".
يؤمن صدام بأن شعبه سيحبه أكثر بعد ان يلقى حتفه. فالناس يعارضون احتلال العراق، الان وقبل ذلك، وذلك تحت رايات صدام. لكنه الان ليس في الحكم بل في السجن.
قال صدام انه أنجز الكثير للعراق في أثناء حكمه: فقد وقع اتفاق سلام مع البرزاني "الاكراد" في الشمال في 1970. وقد أمم صناعة النفط العراقية في 1972. وأيد حرب 1973 مع اسرائيل التي قامت بها مصر وسورية. واجتاز العراق ثماني سنين من الحرب مع ايران من 1980 الى 1988، وحرب الخليج الاولى بعد ذلك من الفور. يعيش العراق منذ 13 – 14 سنة تحت عقوبات "هل المقاطعة ما تزال قائمة"، سأل، وأجيب: "لا".
تابع وقال، انه برغم جميع الصعاب والمشكلات التي فرضت على العراق، فقد صوت مائة في المائة من الشعب له في الانتخابات الاخيرة. ورأى صدام أن العراقيين ما زالوا يؤيدون زعيمهم.
ايران مذنبة بالحرب
8 شباط 2004: المقابلة رقم 2
ذكر صدام ان المكان الذي اعتقل فيه في كانون الاول 2003 كان نفس المكان الذي أقام فيه في 1959 بعد أن هرب من بغداد بعقب محاولة اغتيال الرئيس عبدالكريم قاسم الفاشلة.
سئل صدام هل كان قرار الخروج للحرب مع ايران في ايلول 1980 قائما على تهديدات من ايران، ام كانت تلك محاولة لطلب حقوق في أرض عربية، وبخاصة مصب شط العرب. أتى بقصة جوابا على ذلك: "لنفرض أنه يوجد فلاح هو جارك. ذات يوم ضرب ابن الجار ابنك. في الغد ضايق ابن جارك بقراتك. بعد ذلك أضر بأراضيك بافساد نظام الري. بعد عدة أحداث كهذه، تتوجه أنت الى جارك وتعرض عليه بالتفصيل الاحداث وتطلب اليه ان يكف عن ذلك. في الاكثر، التوجه الى الجار يجعله يكف عن اعتدائه. اما مع ايران فان هذا التوجه من قبل العراق لم ينجح".
نقضت ايران في رأي صدام اتفاق الجزائر في 1975 المتعلق بمصب نهر شط العرب. وفوق ذلك تدخلت في السياسة العراقية، ونقضت بذلك ايضا الاتفاق. ويرى حسين أن هذا لم يترك مناصا للعراق سوى القتال.
قدم صدام عدة أفكار عن مسار تفكير القيادة الايرانية – ولا سيما آية الله الخميني والقرار الايراني على الحرب. "عندما تولى الخميني الحكم في 1979، أقلقه أمران: أحدهما أنه كان متطرفا دينيا، آمن بأن جميع الزعماء مثل شاه ايران، بحيث يمكن عزلهم بسهولة. وظن أنه اذا كان قد عزل الشاه بسهولة فانه يستطيع فعل ذلك بكل واحد، وفي العراق ايضا. وثانيا، كانت عند الخميني عقدة منذ ان طرد عن مكان جلائه في العراق في نهاية السبعينيات" (طرد صدام الخميني من النجف الى باريس بطلب من الشاه). ورأى حسين ان الخميني لم يحترم اتفاق الجزائر وتدخل في شؤون ايران الداخلية. "قلنا له أنت ضيفنا، لا يطلب أحد منك ان تغادر او ان تسلم". حاول الشاه في الحقيقة ان يجعل صدام يسلم الخميني لايران، لكن في الثقافة العربية لا يستطيع أحد "التخلي" من الضيف.
قال صدام انه غير نادم على تصرف العراق مع الخميني. لقد أصبح الخميني رمزا للشعب الايراني بعد ان ترك العراق لسنه ولانه ركل من ايران. في جواب سؤالي هل كان أية الله سيد محمد الصدر، وهو زعيم شيعي كبير أعدم في العراق في 1980، ان يكون رمزا كهذا، قال صدام "ربما"، وأضاف: "أنا نفسي كنت رمزا، لانك تستطيع ان تجد صوري في البيوت وفي أماكن مختلفة في العراق".
سئل صدام هل أثرت محاولات اغتيال مسؤولين كبار من الحكومة العراقية قبل الحرب، قام بها بحسب الشك جماعات تؤيدها ايران، مثل وزير الخارجية طارق عزيز ووزير الثقافة والاعلام لطيف نايف الجاسم، هل اثرت في قرار الخروج للحرب. أجاب صدام: "كان 540 هجوم على العراق من ايران قبل الحرب. كان منها 249 طلعة جوية او هجوما جويا. أغلقت ايران مصب شط العرب وغرقت سفنا عراقية واجنبية. قبل 29 ايلول 1980، قصفت ايران مصافي النفط في البصرة ومدن اخرى جنوبي العراق".
بعد نحو من سنتين من القتال دفع الجيش العراقي الى الوراء وانتقل الى الدفاع. عندما سئل صدام لماذا اجاب: "لا يمكن ان يخطط للجيش العراقي ما يمكن ان يخطط للجيش الامريكي" اي ان الخطط تحاك بحسب القدرة. زعم صدام ان الهجوم العراقي الاخير في الحرب في السنتين 1986 – 1987 سجل نجاحات كثيرة، منها احتجاز ثلثي الدبابات ونصف المدافع والمدرعات الايرانية.
قال صدام: "لو دخلنا عمق ايران، لظنوا أننا نريد شيئا آخر... لم يواجهنا جيش عادي، يسهل التخطيط لمواجهته". وقال ان تلك كانت أول تجربة لجنود عراقيين كثيرين في المعركة. بعد عدة أيام تساءل كثير منهم: "لماذا أنا هنا؟"، كما أبلغ قادة الميدان صداما. فضل جنود كثير الدفاع عن الحدود والبقاء في العراق. كان انسحاب القوات العراقية من الارض الايرانية يجب ان يتم قبل التغير الذهني هذا (عند الجنود). اراد جزء من القادة الانسحاب، واراد اخرون البقاء. بعد سنتين من الحرب، شعر جزء من القادة بأن "ايران تعلمت الدرس" وأوصوا بالانسحاب. احترم صدام المعلومات التي أتت من القادة وأمر بانسحاب القوات العراقية.
قال صدام: "اذا لم يجد الجندي منطقا، فانه لن يعمل كما ينبغي او لن يطيع. واذا تلقى مهمته على أنها منطقية فسيكون مطيعا". يجب ان يكون الجندي مقتنعا والا فان الطاعة مشكلة.
سئل صدام هل تم استعمال السلاح الكيماوي على ايران في اثناء فترة الدفاع وقت الحاجة فقط اي ان العراق كان قد يخسر الحرب بغير هذا السلاح واجاب: "لا جواب لي على ذلك. لا أنوي الجواب". وعندما سئل هل ظن ان العراق يواجه خسارة الحرب مع ايران، وبخاصة بعد 1982 وفي غضون 1984 – 1986 اجاب: "لا ولا للحظة واحدة. قلت ذلك في التلفاز. قلت في 5 رسائل ارسلتها الى ايران". وصف صدام في الرسائل ثبات الجيش العراقي الصلب. ظنت القيادة الايرانية انه يكذب لكن العراقيين صدقوه.
وعندما سئل مرة اخرى في موضوع استعمال السلاح الكيماوي العراقي، ذكر صدام: "لن يضيق علي بسبب موضوعات اجرائية. لن أقوم من أجلك بأي تفضل. دفعت الولايات المتحدة ثمنا باهظا عن اخطائها هنا في العراق وفي انحاء العالم، وستظل تدفع عن اخطائها في العالم كله".
قال صدام ان ايران لم تستوعب الرسالة بعد 1982 عندما سحب العراق قواته الى الحدود، وذكر: "اذا لم تكسر ايديهم فانهم لن يفهموا".
فيما يتعلق باستنتاجات الامم المتحدة عن استعمال العراق للسلاح الكيماوي في اثناء الحرب، ذكر صدام ان "التاريخ يكتب ولا يتغير. لا يستطيع أحد أن يقف كتابة التاريخ". أشار صدام الى ان ايران استعملت السلاح الكيماوي اولا في المحمرة في ايلول – تشرين الاول 1981. وعندما سئل هل كان العراق محتاجا للسلاح الكيماوي من أجل الدفاع اجاب: "لا أنوي الجواب، ولا يهم كيف تصوغ السؤال".
قال صدام: "سأناقش كل شيء بشرط ألا يضر ذلك بشعبي وبأصدقائي أو بجيشي". تحدث عن حادثة في سنة 1964 كان مشاركا فيها أحمد حسن البكر، امين سر حزب البعث. اعتقل البكر وصدام بتهمة تدبير مؤامرة لاحداث انقلاب على الرئيس عبدالسلام عارف. ذكر صدام انه تحمل كل المسؤولية عن محاولة الانقلاب، ولم يقدم أي معلومات عن آخرين.
قال صدام: "ليس مقبولا أن يتهم شخص في مقام المسؤولية آخرين. اذا قال أحد ما: صدام قال لي افعل كذا وكذا، فليست هذه مشكلة من جهتي ولا يمس هذا بي".
السادات خان الهدف
10 شباط 2004: المقابلة رقم 3
قدم صدام عدة ملحوظات تتعلق بالوضع الفلسطيني. كل محاولة لفهم جذور المشكلات المتعلقة بالقضية الفلسطينية يجب ان تتم من وجهة نظر العرب، لا من الجهة الفلسطينية فقط، فالمشكلة ليست فلسطينية فقط بل عربية ايضا. في الستينيات حدثت انقلابات كثيرة في الدول العربية بعقب مصادمات نشبت بسبب عدم رضا الشعب عن الحكام. كان احد اسباب عزل الحكام اخفاقهم في علاج القضية الفلسطينية، او تجاهلها تماما. كل حل لمشكلة يجب ان يقوم على العدل والقانون الدولي. ان القانون الدولي وآثاره احدثا المشكلة في 1948 باقامة دولة اسرائيل اليهودية على آراض طلبها الفلسطينيون بأنفسهم أولا. يجب ان يوجد الحل في هذا المجال، سواء أتى من الاجانب او من أصحاب الشأن.
قال صدام: "الحل لا يقنع اكثر الفلسطينيين لن ينجح". يجب ان يكون اساس هذا الحل، والنتيجة النهائية اقامة دولة فلسطينية مستقلة.
فيما يتعلق بحرب الايام الستة قال صدام ان العرب توقعوا ان تعاد الاراضي التي فقدوها في 1948. "حزنا عندما لم يحدث ذلك".
برغم ان حرب 1967 انتهت الى هزيمة، ما يزال صدام يحترم الرئيس المصري جمال عبدالناصر. فعبدالناصر في رأي صدام نجح في أن يظهر العرب للعالم، والزعماء الاخرون ضعفاء بالقياس اليه. كان عبدالناصر الزعيم الوحيد الذي كانت له علاقات قريبة بالجماهير العربية. برغم ان عبدالناصر هزم في الحرب لم يفقد احترام الشعب له. بيد أن آمال الشعوب كانت أكبر مما يستطيع احرازه". وقال ان الخسارة في الحرب دلت على حدود قدرة عبدالناصر وقوات الجيش المصري. ذكر صدام بأن الحرب كشفت أيضا عن مشكلات داخلية في القيادة المصرية. فلم يسمح عبدالحكيم عامر قائد الجيش المصري لعبدالناصر ان يتدخل في شؤون الجيش "برغم ان عبدالناصر كان رئيس الدولة". ذكر صدام ان عبدالناصر يبدو أنه "اعتمد على الاجراءات الدولية اكثر من اعتماده على استعدادات جيشه وشعبه"، استعدادا للحرب.
***
فيما يتعلق بحرب يوم الغفران، لم يكن الرئيس أنور السادات "يستطيع أن يعيد آمال العرب. بدا السادات وكأنه لا يملك هدفا ما، ولم يكن يستطيع أن يفعل شيئا فيما يتعلق بـ 1948 واغتصاب فلسطين. ولما كان السادات ليس من رجال الأهداف فانه لم يثر الحافز عند الجنود المصريين. وكذلك الامر بالنسبة للشعب المصري. في الواقع استهزأ المصريون في تلك الايام بجنودهم ورووا النكت عن أنهم لم يحاربوا في 1967، لكن السادات، بفضل شخصيته نجح في اقناع الولايات المتحدة واسرائيل بأنه قادر على الانتصار في الحرب".
عندما سئل هل كان السادات ان يفعل اكثر من عبدالناصر لشعبه، ولا سيما في مجالات السلام واعادة الارض، ذكر صدام ان تأثير عبدالناصر كان "رمزيا".
اضاف صدام: "اذا قلت للعراقيين ان الكويت سيكون جزءا من العراق فانهم سيفرحون. فالامة العربية من الفقير الى الغني، ذات نفس اللغة والحدود المشتركة والاهداف نفسها. يوجد عالم عربي واحد، من الشخص البسيط الى المفكرين والمشرعين". تنبع قوة كل واحد من ابناء هذه "العائلة" بحسب قوله من التعاون مع الاخر وحبه اياه داخل "العائلة". اذا لم يدرك أحد من "العائلة" هذا فسيكون ضعيفا ويسقط.
لم يكن السادات مخلصا لمبادىء "العائلة". قبل حرب 1967، كانت الضفة الغربية والقدس تحت حكم الاردن، في حين كانت غزة تحت حكم مصر. لم ينجح اتفاق سلام السادات مع الاسرائيليين في اعادة الاراضي الى اصحابها الشرعيين أي الفلسطينيين. لهذا "خان السادات الهدف". "ارادت اسرائيل ان تعيد شبه جزيرة سيناء فقط لانها كانت عبئا عسكريا عليها، وكانت هذه خطوة سياسية سهلة. خسر السادات الاحترام بالاتفاق مع اسرائيل".
تابع صدام قوله: "ليس سهلا ان تكون في وضع سلام. فالسلام بغير هدف يحدث تغيرا للتوازن". وهو لا يظن انه يمكن احراز سلام بفقدان الثقة والمكانة الجليلة. بمقابلة ذلك يجب ان يبحث كل سلام صدورا عن "موقف قوة متفوق".
ذكر صدام ان العراق حارب في حرب 1973 في جبهتين، بسلاحه الجوي الذي ساعد مصر وسورية، وقوات المشاة الذين حاربوا الى جانب سورية. وعندما سئل هل كان يستطيع ان يفعل اكثر اجاب: "ما الذي استطعنا فعله اكثر؟ ارسلنا جيشنا كله للقتال تحت القيادتين السورية والمصرية".
اضاف صدام: "عشية الحرب ارسلت مصر نائب الرئيس حسني مبارك الى العراق، لطلب طائرات وطيارين لاستعمالهم في الهجوم على قواعد صواريخ ارض – جو في اسرائيل. قدم العراق الطائرات بالرغم من انها كانت تحارب الاكراد في الشمال. طلب السوريون مساعدة العراق بعد بدء الحرب من الفور قائلين ان اسرائيل ستحتل سورية بغير مساعدة العراق".
رفض الجيش السوري تزويد القوات العراقية بخرائط ومعدات اتصال ومساعدة اخرى مطلوبة للقوات المشتركة في الحرب. وقال صدام: "كان ذلك وضعا صعبا للعمل. ربما لم يكن عند السوريين خرائط. كان القادة العراقيون معتادين على سلوك مختلف في جيشهم".
***
استقبل العراق دائما لاجئين فلسطينيين في اثناء مدة صدام وقبلها. بدأت هذه الموجة من اللاجئين بعد 1948 واقامة اسرائيل، واستمرت بعد ايلول 1970 (ايلول الاسود في الاردن) ومرة اخرى في 1991 بعد حرب الخليج الاولى. اكد صدام قائلا: "استقبلناهم بالتحية، واعطيناهم عملا والحق في أن يصبحوا اصحاب اراض وبيوت".
قال صدام ان ممثلي جبهة التحرير الفلسطينية (منظمة أبي عباس، المسؤول عن المجزرة في نهاريا واختطاف سفينة اكيلا لاورو) ومنظمة ابي نضال مكثتا في العراق أحيانا "استقبلناهم كضيوف". طلب اليهم ألا ينفذوا اعمالا على العراق والامتناع عن الارهاب. تلقى نشطاء من جبهة التحرير ومنظمة أبي نضال امرا بعدم التدخل في شؤون فتح الداخلية. وفي مناسبة اخرى حذر أبو نضال ان يكف عن النشاط الارهابي (أبو نضال واسمه الحقيقي صبري البنى، قتل بأمر من صدام في 2002 في بغداد).
قال صدام: "اذا استقبلنا شخصا كضيف فعلينا ان نساعده. لكن الضيف لا يستطيع ان يطلب ما يريد على الفطور، والغداء والعشاء". قال صدام ان العراق اعتبر فتح الممثلة السياسية الرسمية لفلسطين والباقيات كلها ممثلات ثانوية.
سلم صدام تفصيلات عن فيلم فيديو صور قبل نحو من سنتين، يظهر فيه أبو عباس وطاهر جليل حبوش، رئيس الاستخبارات العراقية. في اللقاء طلب عباس مساعدة عراقية تتضمن مالا وتدريبات وسلاحا ونقلا، لتنفيذ هجمات على اسرائيل. بين لصدام ان مجري اللقاء شاهد الفيلم. سئل هل كانت هذه العمليات التي خططت على اسرائيل دفاعا مشروعا من الفلسطينيين، ام ارهابا ولهذا تجاوزت المساعدة المعتادة التي اعطيت الضيف.
قال صدام ردا على ذلك: "ما الذي فعلته الحكومة العراقية، اذا كنت تملك الشريط فانك تعلم". قال صدام انه في الوقت الذي تتم فيه محاولات لاعادة الاراضي العربية وفي ضمنها "تلك التي سلبت واخذت"، فان جوابه واحد. ذكر ان هذا ليس سرا ولا شيئا يخجل منه. "اذا كان عباس قد طلب هذه الاشياء، فهذا يعني انها اعطيت له. اذا نفذ عمليات ما في اسرائيل فمعنى ذلك اننا ساعدناه. واذا لم ينفذ فاننا لم نساعده". عندما قيل له ان عباسا نفذ هجمات في اسرائيل، اجاب صدام: "حدث هذا قبل ان طلب مساعدة منا. كان ذلك اختيارهم. في كل لحظة عندنا قدرة وحق في المساعدة في النضال. لست اتحدث عن عباس. اتحدث عن الفصائل في فلسطين. اما تلك التي خارجها فليست جدية".
عندما سئل صدام ماذا كان جواب حبوش لعباس، اجاب مجري اللقاء ان اموالا نقلت الى عباس لكن لا بالمبالغ التي طلبها. قال صدام في جوابه انه برغم ان عباسا طلب مليون دولار او مليونين، كما ذكر مجري اللقاء، فانه لم يحصل حتى على عشرة آلاف دولار. "كل فلسطيني يريد ان يتدرب وان يذهب للقتال في فلسطين، اقول – دربوه. لكن المال والسلاح أمر آخر".
زعم صدام انه منذ كان "مقاتلا شابا" في حزب البعث، آمن بأن المنظمة يجب ان تحارب من الداخل لا من الخارج. فكل محاولة من الخارج مجرد كلام وهي غير جدية.
صواريخ سكاد؟ انا المسؤول
3 آذار 2004: المقابلة رقم 11
قال صدام انه هو لا غيره في حكومة العراق او قيادته، اصدر اوامر ضرب اسرائيل بصواريخ سكاد. ذكر: "كل ما حدث لنا حدث بسبب اسرائيل"، واضاف ان "جميع الامور السيئة التي حدثت للعرب كان نتيجة عمل اسرائيلي. فاسرائيل حثت ساسة امريكيين وملأتهم بالكراهية. هاجمت اسرائيل العراق اولا في 1981 ودمرت مفاعله الذري الوحيد. ما تزال الحرب مستمرة بالنسبة للعراق".
في اثناء الصراع في 1991، افترض صدام ان الولايات المتحدة ستقف الحرب اذا اصيبت اسرائيل. وقد اراد ايضا ان يعاقب الدولة التي رآها مصدر جميع المشكلات. أنكر صدام أن يكون أحد أسباب قراره على مهاجمة اسرائيل بصواريخ سكاد احداث رد اسرائيلي، وتقويض التحالف وتراجع التأييد العربي له. قال صدام: "استحيت الدول العربية التي ايدت التحالف لذلك". زعم صدام انه كان هنالك سببان للحرب في 1991 هما النفط واسرائيل. واضاف ان الكويت لم يكن ليفعل شيئا في مواجهة العراق الا اذا دفعته دولة اخرى (الولايات المتحدة). وأنكر ان القوات العراقية انسحبت من الكويت اثر هزيمتها. قال انها انسحبت نتيجة تصريح رسمي.