المحرر موضوع: 48 سؤالاً في الصيام ..... لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين  (زيارة 155 مرات)

ابن فلسطين

  • صوت متمرس
  • **
  • مشاركة: 97


48 سؤالاً في الصيام
محمد بن صالح العثيمين



جمعها ورتَّبها
أبومحمد سالم بن محمد الجهني
القصيم ـ الرس ـ ص.ب: 231



ماذا يجب أن نفعله في رمضان؟

شهر رمضان عظيم مبارك، أنزل الله فيه القرآن هدى للناس وبيِّنات من الهدىوالفرقان، وجعل صومه ركناً من أركان الإسلام، وقيامه نافلة تزداد بهاالحسنات، وتكون سبباً في النجاة من النيران.

ففي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلّمأن «مَن صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه، ومَنقام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه».

مَن صام رمضان إيماناً، أي إيماناً بالله عز وجل، وإيماناً بشريعة اللهوقبولاً لها، وإذعاناً واحتساباً لثواب الله الذي رتَّبه على هذا الصياموكذلك القيام، فمن قام رمضان أو ليلة القدر متصفاً بهذين الوصفين ـالإيمان والاحتساب ـ غفر الله له ما تقدم من ذنبه،

وإننا إذا نظرنا إلى الماضي وجدنا أن هذا الشهر المبارك صارت فيه مناسبات عظيمة، يفرح المؤمن بذكراها ونتائجها الحسنة.

المناسبة الأولى

أن الله تعالى أنزل فيه القرآن، أي ابتدأ إنزاله في هذا الشهر وجعلهمباركاً، فتح المسلمون به أقطار الأرض شرقاً وغرباً، واعتزَّ المسلمون بهوظهرت راية الإسلام على كل مكان.

ولا يخفى علينا جميعاً أن الخليفة الراشد عمر بنالخطاب رضي الله عنه أتي إليه بتاج كسرى من المدائن إلى المدينة محمولاًعلى جملين، كما ذُكِرَ ذلك في التاريخ، وضع بين يديه رضي الله عنه، لمينقص منه خرزة واحدة، كل هذا من عزَّة المسلمين وذلة المشركين ولله الحمد،وإننا لواثقون أن الأمة الإسلامية سترجع إلى القرآن الكريم، وستحكم به،وستكون لها العزة بعد ذلك إن شاء الله.

ولكن لابدَّ لجاني العسل من قرص النحل، ولجاني الوردمن الشوك، لابد أن يتقدم النصر امتحان لمن قاموا بالإسلام والدعوة إليه،لأن الله تعالى قال في كتابه: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَالْمُجَـهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّـبِرِينَ} [محمد: 31]، وقال تعالى: {أَمْحَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُالَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُوَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَءَامَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِقَرِيبٌ } [البقرة: 214].


المناسبة الثانية في هذا الشهر المبارك

غزوة بدر، وكانت غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة، وكان سببها أن رسولالله صلى الله عليه وسلّم سمع أن عيراً لقريش يقودها أبوسفيان قادمة منالشام إلى مكة، فلما علم بذلك ندب أصحابه السريع منهم أن يخرجوا إلى هذهالعير من أجل أن يأخذوها؛ لأن قريشاً استباحت إخراج النبي صلى الله عليهوسلّم وأصحابه من ديارهم وأموالهم، ولم يكن بينهم وبين النبي صلى اللهعليه وسلّم عهد ولا ذمة، فخرج صلى الله عليه وسلّم إلى عيرهم من أجل أنيأخذها، وخرج بعدد قليل، ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، لأنهم لا يريدونالحرب، ولكنهم يريدون أخذ العير فقط، فلم يخرجوا إلا بهذا العدد القليلومعهم سبعون بعيراً يعتقبونها وفَرَسَانِ فقط.

أما أبوسفيان الذي كانت معه العير، فأرسل إلى أهلمكة يستحثهم، ليحموا عيرهم ويمنعوها من رسول الله صلى الله عليه وسلّم،فخرج أهل مكة بحدِّهم وحديدهم وكبريائهم وبطرهم، خرجوا كما وصفهم اللهبقوله: {خَرَجُواْ مِن دِيَـرِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ النَّاسِوَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ }[الأنفال: 47].

وفي أثناء الطريق بلغهم أن أباسفيان نجا بعيره من النبي صلى الله عليهوسلّم، فاستشار بعضهم بعضاً، هل يرجعون أو لا يرجعون، فقال أبوجهل ـ وكانزعيمهم ـ والله لا نرجع حتى نقدم بدراً فنقيم عليها ثلاثاً، ننحر فيهاالجزور، ونسقى فيها الخمور، وتعزف علينا القِيان، وتسمع بنا العرب فلايزالون يهابوننا أبداً.

فهذه الكلمات تدل على الكبرياء والغطرسة، والثقةبالباطل ليدحض به الحق.. والتقوا بالنبي صلى الله عليه وسلّم بحدِّهموحديدهم وكبريائهم وبطرهم وقوتهم، وكانوا ما بين تسعمائة وألف، أما النبيصلى الله عليه وسلّم وأصحابه فكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، والتقتالطائفتان، جنود الله عز وجل وجنود الشيطان، وكانت العاقبة لجنود الله عزوجل، قتل من قريش سبعون رجلاً من عظمائهم وشرفائهم ووجهائهم، وأُسر منهمسبعون رجلاً،

وأقام النبي صلى الله عليه وسلّم ثلاثة أيام في عرصة القتال كعادته،بعد الغلبة والظهور، وفي اليوم الثالث ركب حتى وقف على قليب بدر التي ألقيفيها من صناديد قريش أربعة وعشرون رجلاً، وقف على القليب يدعوهم بأسمائهموأسماء آبائهم، يقول: «يا فلان ابن فلان، هل وجدت ما وعد ربكم حقاً، إنيوجدت ما وعدني ربي حقاً». فقالوا: يا رسول الله، كيف تكلم أناساً قدجَيَّفُوْا؟ ـ أي صاروا جيفاً ـ قال: «ما أنتم بأسمع لِمَا أقول منهم،ولكنهم لا يستجيبون»، أو قال: «لا يرجعون قولاً».

ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلّم إلى المدينة النبوية منتصراً ولله الحمد.


المناسبة الثالثة

فتح مكة، كانت مكة قد استولى عليها المشركون وخرَّبوها بالكفر والشركوالعصيان، فأذن الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلّم أن يُقاتلأهلها وأحلها له ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها بعد الفتح كحرمتها قبلالفتح، ودخلها النبي صلى الله عليه وسلّم في يوم الجمعة في العشرين من شهررمضان عام ثمانية من الهجرة، مظفراً منصوراً حتى وقف على باب الكعبة وقريشتحته ينتظرون ماذا يفعل بهم، فقال لهم: «يا قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟»قالوا: خيراً، أخٌ كريمٍ وابن أخٍ كريم. فقال النبي صلى الله عليه وسلّم:«اذهبوا فأنتم الطلقاء». فمَنَّ عليهم بعد القدرة عليهم، وهذا غاية مايكون من الخُلُق والعفو.

وبعد عرض المناسبات في هذا الشهر لنا أن نقول:ما الذي ينبغي أن نفعله في شهر رمضان؟.. الذي نفعله في هذا الشهر المباركإما واجب وإما مندوب، فالواجب هو الصيام، والمندوب هو القيام.
والصيام كلنا يعرف هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمستعبداً لله، دليله قوله تعالى: {فَالـنَ بَـشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَاكَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُالْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّأَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ} [البقرة: 187].



والغرض من الصيام ليس ترويض البدن على تحمل العطشوتحمل الجوع والمشقة، ولكن هو ترويض النفس على ترك المحبوب لرضا المحبوب.والمحبوب المتروك هو الأكل والشرب والجِماع، هذه هي شهوات النفس.

أما المحبوب المطلوب رضاه فهو الله عز وجل، فلابد أن نستحضر هذه النيَّة أننا نترك هذه المفطرات طلباً لرضا الله عز وجل.

والحكمة من فرض الصيام على هذه الأمة قد بيَّنهاالله سبحانه وتعالى في قوله: {يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَعَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْلَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [البقرة: 183]، ولعلَّ هنا للتعليل، أي لأجل أنتتقوا الله، فتتركوا ما حرَّم الله، وتقوموا بما أوجب الله. وفي الصحيح عنالنبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «مَن لم يدع قول الزور والعمل بهوالجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».

أي أن الله لا يريد أن ندع الطعام والشراب، إنما يريد منا أن ندع قولالزور والعمل به والجهل، ولهذا يندب للصائم إذا سبَّه أحدٌ وهو صائم أوقاتله فليقل: إني صائم، ولا يرد عليه؛ لأنه لو ردَّ عليه لردَّ عليه الأولثم ردَّ عليه ثانياً، فيرد الأول، ثم هكذا يكون الصيام كله سباً ومقاتلة،وإذا قال : إني صائم، أعلم الذي سبَّه أو قاتله بأنه ليس عاجزاً عنمقابلته ولكن الذي منعه من ذلك الصوم، وحينئذٍ يكفُّ الأول ويخجل، ولايستمر في السبِّ والمقاتلة.

هذه هي الحكمة من إيجاب الصيام، وإذا كان كذلكفينبغي لنا في الصوم أن نحرص على فعل الطاعات من الذكر، وقراءة القرآن،والصلاة، والصدقة، والإحسان إلى الخلق، وبسط الوجه، وشرح الصدر، وحسنالخلق، كل ما نستطيع أن نهذِّب أنفسنا به فإننا نعمله.

فإذا ظلَّ المسلم على هذه الحالة طوال الشهر، فلابد أن يتأثر ولن يخرجالشهر إلا وهو قد تغيَّر حاله، ولهذا شُرع في آخر الشهر أن يُخْرِجالإنسان زكاة الفطر تكميلاً لتزكية النفس؛ لأن النفس تزكو بفعل الطاعاتوترك المحرمات، وتزكوا أيضاً ببذل المال، ولهذا سُمِّي بذل المال زكاة.