بعد فشل محادثات كامب ديفيد في صيف 2000 عاد رئيس الوزراء الاسرائيلي،ايهود براك، الى البلاد وبصلافته ووقاحته المعهودة اتهم الرئيس الفلسطينيالراحل, ياسر عرفات، بانه رفض العروض السخية التي قدمها له خلال المؤتمروبذلك افشل التوصل الى اتفاقية سلام بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية.براك، الذي يحركه منطق القوة لم يتورع عن التصريح بانه خلال المفاوضات فيكامب ديفيد التي جرت تحت رعاية الرئيس الامريكي آنذاك بيل كلينتون بانه،الذي رفض التوصل لاتفاقية لانهاء النزاع الاسرائيلي الفلسطيني. الرئيسكلينتون انضم هو الآخر الى حملة التحريض الارعن ضد عرفات في المذكرات التياصدرها, واطلت علينا بعد ذلك وزيرة الخارجية الامريكية، مادلين اولبرايت،في كتاب جديد يلقي كامل المسؤولية على الفلسطينيين في فشل كامب ديفيد.وانضم ايضا السيد دنيس روس لهذه المجموعة ليؤكد في كتابه ان عرفات هوالمتهم. في اسرائيل تلقفوا الزعم البراكي وبدات الكتب "التحليلية" تصدرباللغة العبرية لتؤكد على ان عرفات هو المشكلة. الصحافة الاسرائيلية علىمختلف اشكالها واجناسها انضمت الى جوقة التحريض وهاجمت عرفات بصورة شرسةوخبيثة وتمكنت بمساعدة المستوى السياسي من تذويت "الحقيقة" لدىالاسرائيليين بان براك اعطى وعرفات رفض. الصحافي ايهود يعاري، المحرض رقمواحد في وسائل الاعلام الاسرائيلية، نشر آنذاك مقالا في ملحق صحيفة"هارتس" تحت عنوان "كنت على حق"، قال من خلاله ان اقواله المتكررة قبل فشلكامب ديفيد بان الرئيس عرفات هو المشكلة وبانه لا يريد السلام وانه يريدالقضاء على اسرائيل، وانه ارهابي، كانت اقوالا حقيقية. المستوى السياسيالاسرائيلي وصحافة البلاط العبرية استطاعت ان تقنع اي اسرائيلي بان السلاممع الفلسطينيين مستحيل وذهب براك الى ابعد من ذلك عندما صرح بان العرب همشعب متجذرة فيهم ثقافة كذب ولا حاجة للتاكيد بان تصريحه لا يختلف عنتصريحات النائب يحئيل حزان من هذا الاسبوع بان العرب ديدان، ولا يختلف عنتصريحات العنصري الترانسفيري افيغدور ليبرمان، الذي يعاني من عقدة كره كلما هو عربي، ونحن نتمنى له في هذا السياق ان تستفحل معاناته.
اكتب هذه المقدمة لانني شاركت اول من امس، الاربعاء في يوم دراسي عقد فيجامعة بئر السبع لمناقشة كتاب صدر حديثا بعنوان "السلام المحطم" من تاليفالدكتور يورام ميطال، مستشرق اسرائيلي. المؤلف يستعرض في كتابه الجديداسباب فشل كامب ديفيد بطريقة علمية بحتة، بعيدة عن التهريج والتهويشوتجاهل الآخر. في المحصلة العامة يمكن القول بان الكتاب الاكاديمي يغردخارج السرب الاسرائيلي. الدكتور ميطال، خلافا للمحرضين الاسرائيليين، يعرضوجهة نظر مختلفة تماما ويقول بالحرف الواحد ان براك ايضا متهم بافشال كامبديفيد، وربما بتخطيط مسبق. واكثر من ذلك، فان المؤلف يتهم الامريكيينبانهم كانوا منحازين بشكل واضح وفاضح للموقف الاسرائيلي، ولم يهتموا بتاتابالطرف الفلسطيني وبالتنازلات التي ارادوا منه ان يقدمها من اجل التوصلالى سلام شامل ودائم. بالاضافة الى ذلك فان المؤلف يتساءل المرة تلوالاخرى: لماذا رفض براك ان تدون المحادثات في كامب ديفيد ووضع شرطالكلينتون بانه لن يشارك في المؤتمر اذا رفض طلبه وطبعا كان له ما اراد.والانكى من ذلك، يواصل الدكتور يورام ميطال قائلا: اين عروض براك؟ لماذالم تنشر؟ وهل بالفعل عرض براك ما زعم انه عرض لان الكاتب بحث في الارشيفولم يجد شيئا موثقا عن مقترحات براك لعرفات في كامب ديفيد. الاكاديميالاسرائيلي يخصص في كتابه فصلا كاملا عما يسمى اليسار الصهيوني الاسرائيليويتهمه بصورة مباشرة بانه شارك براك في تعزيز نظريته ضد عرفات. ويتساءلالكاتب: لماذا وافق براك، رئيس الوزراء آنذاك، على السماح لرئيس المعارضةفي حينه، ارئيل شارون, بزيارة الحرم القدسي الشريف, هذه الزيارة التياشعلت فتيل الانتفاضة الفلسطينية، مشيرا الى ان الانتفاضة لم يخطط لهاالرئيس عرفات، كما يعتقد الاسرائيليون، انما بدأت بسبب الزيارةالاستفزازية للسيد شارون، ويجزم الدكتور ميطال ان الانتفاضة بدأت من الشعبالفلسطيني وليس من القيادة الفلسطينية وفي مقدمتها الرئيس عرفات. ويخلصالكاتب الى القول ان ما عرضه براك على الفلسطينيين استند على فرضيات خاطئةوان الدعم الامريكي الجارف لبراك من قبل ادارة كلينتون كان خطيرا للغاية،وادى في نهاية المطاف الى نتائج كارثية. وتكمن اهمية هذا الكتاب في انالمؤلف هو اسرائيلي ويحلل الامور بادوات اكاديمية.
وخلال النقاش الذي دار في اليوم الدراسي تأكدت من ان الاسرائيليين مازالوا على اقتناع تام بان براك كان صادقا وبان عرفات كان كاذبا، وهذاالامر لم يفاجئني بالمرة، لانه منذ فشل كامب ديفيد عملت الماكنة الدعائيةالاسرائيلية على ترسيخ هذه المسالة لدى الاسرائيليين.
خلاصة الكلام: اولا، الكتاب باعتقادي مهم جدا, لانه يكشف االقناع عن وجهبراك الحقيقي ووسائل الاعلام المتطوعة وما يسمى اليسار الصهيونيالاسرائيلي. ثانيا، في هذه الايام يعكف المؤلف على ترجمة الكتاب الى اللغةالانجليزية، وباعتقادنا سيساهم هذا الامر كثيرا في دحض الروايةالاسرائيلية الامريكية بان عرفات هو الذي رفض السلام، هذه الرواية الكاذبةالتي تبناها الحكام في العالم الغربي وايضا الملوك والسلاطين والحكامالعرب, الذين قاطعوا عرفات خلال حصاره في المقاطعة في رام الله، والآن بعدرحيله بدات عملية التطبيع مع اسرائيل الشارونية، هذه العملية التي يقودهارئيس اكبر دولة عربية، السيد حسني مبارك.