جمال سلامة
في التاسع والعشرين من تشرين الثاني.
نوفمبر عام 1947 قررت الأمم المتحدة تقسيم فلسطين إلى دولتين: يهودية وعربية، متجاهلة رغبة سكانها الأصلين.. ولقد تم تمرير قرار التقسيم 181 بعد أن تم إحباط مشروع الحصول على رأي استشاري من محكمة العدل الدولية يبحث في قانونية ومشروعية التقسيم. ولم تكتف الدول الاستعمارية المهيمنة بمجرد فرض رغبتها تلك، بل امتنعت أيضا عن تطبيق ما أقرته , وبذلك تكون قد نقضت كل معايير الشرعية والعدالة والقانون الدولي.
وقد كان صدور القرار فرصة مواتية لشن حرب التطهير العرقي بالمجازر التي نظمتها العصابات الصهيونية آنذاك؛ الأمر الذي قاد إلى النكبة الفلسطينية عام 1948؛ حيث تم بالقتل والترهيب تهجير ومصادرة أملاك حوالي 80% من السكان الفلسطينيين وإعلان قيام دولة إسرائيل على 78% من أرض فلسطين. وقد اعترفت غالبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بمسئوليتها المباشرة عن تدمير فلسطين عامي 1947-1948، وعن الأزمة المستمرة التي يعيشها الشعب الفلسطيني وحرمانه من الحق في العودة وتقرير المصير ؛ وبناء على ذلك؛ أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1977 تبنيها ليوم التاسع والعشرين من شهر نوفمبر.
تشرين ثاني من كل عام، يوما عالميا للتضامن مع الشعب الفلسطيني؛ اعترافا منها بمسؤوليتها عما نتج جراء إصدار قرار التقسيم وللتأكيد على أن القضية الفلسطينية بقيت بدون حل. ولكن هذا الاعتراف لم يلغ أن الأمم المتحدة فشلت في تطبيق قراراتها العديدة التي تحمي الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني بسبب غياب الإرادة السياسية للدول المهيمنة , والانحياز الأمريكي الكامل لإسرائيل.
وأكثر من ذلك وبالتحديد في التاسع من سبتمبر عام 2004؛ عندما نجح الشعب الفلسطيني في إحراز فرصة عرض جانب من قضيته وحجته أمام محكمة العدل الدولية، للمرة الأولى لا زالت الإرادة السياسية لواشنطن والدول المهيمنة تحول دون إنصاف الشعب الفلسطيني. لقد قضت المحكمة الدولية بوجوب إزالة جدار الفصل العنصري واعتبرته غير قانوني لأنه يقام على أراض محتلة تعود للفلسطينيين، كما وقضت أن على إسرائيل إعادة الأملاك المصادرة والمستباحة للفلسطينيين وتعويضهم. ومن جهة ثانية أكدت المحكمة أن سائر الدول الأخرى ملزمة بعدم تقديم أية مساعدة لإسرائيل تتعلق ببناء الجدار، وطالبتها بعدم الاعتراف بالأوضاع غير القانونية الناشئة عن أعمال بناء الجدار. ولكن غياب الإرادة السياسية للدول المهيمنة والمتنفذة حال دون وضع رأي محكمة العدل الدولية موضع التطبيق في الأمم المتحدة. وإذا كانت حكومات الدول المهيمنة والتابعة لها قد خذلت الشعب الفلسطيني فان المجتمع المدني العالمي لم يخذله. فعلى ضوء استمرار الاحتلال والاستيطان والحصار وعمليات التنكيل المتواصلة ومصادرة الأراضي، وفي ظل نظام الفصل العنصري الإسرائيلي (الأبارتهايد) المفروض على الشعب الفلسطيني؛ أصبح يوم التاسع والعشرين من نوفمبر يوما للتضامن الحقيقي مع الشعب الفلسطيني، وذلك بالتضامن الجماعي لمنظمات المجتمع المدني العالمية العاملة من أجل العدالة وحقوق الإنسان في فلسطين.
الأمر الذي رفع مستوى الوعي العالمي من خلال التأكيد على أن سياسة إسرائيل حيال الشعب الفلسطيني هي السبب الحقيقي للصراع، وهي العقبة الأساسية التي تمنع الوصول لحل شامل عادل ودائم.
وتستحق الإدانة والمقاطعة وفرض العقوبات عليها حتى تنصاع للقانون الدولي.
وإخضاع مقترفي الجرائم الإسرائيليين ومنتهكي القانون الدولي ،سواء كانوا حكاما أو عصابات تحولت إلى أحزاب ، أو جماعات أو أفرادا، للقانون الدولي وتحميلهم كامل المسؤولية عن جرائمهم ومقاضاتهم أمام الهيئات الدولية المختصة.
إن الجمعية العامة للأمم المتحدة بإعلانها في عام 1977 عن تبنيها يوم التاسع والعشرين من شهر نوفمبر من كل عام، يوما عالميا للتضامن مع الشعب الفلسطيني، تعيد تأكيدها على الالتزام بقرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها القرار 3236 الذي ينص صراحة : تؤكد الجمعية العامة حقوق الشعب الفلسطيني في فلسطين، غير القابلة للتصرف وخصوصا حقه في تقرير مصيره من دون تدخل خارجي والحق في الاستقلال والسيادة الوطنية وتؤكد أيضا حق الفلسطينيين غير القابل للتصرف، في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي شردوا منها واقتلعوا منها وتطالب بإعادتهم إليها. في مثل هذا اليوم من كل عام يقف العالم المحب للسلام والتحرر مع الشعب الفلسطيني ومع نضاله العادل من اجل التحرر والاستقلال ونيل حقوقه في العودة وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس.
وعلى الرغم من إصدار الأمم المتحدة للقرار الشهير رقم 181 قرار التقسيم الذي أعطى للشعب الفلسطيني الحق في إقامة دولته المستقلة بتاريخ 29 نوفمبر عام 1947, هذا القرار الذي أجهضته الحركة الصهيونية وتواطؤ الرجعيات العربية , بحيث تم تدمير كيانيه الشعب الفلسطيني وتشريده وحرمانه من إقامة دولته المستقلة منذ العام 1948 وحتى يومنا هذا.
وعلى الرغم من جميع محاولات إسرائيل لإلغاء وجود الشعب الفلسطيني أو عدم الاعتراف بحقوقه الوطنية المشروعة التي جسدتها منظمة التحرير الفلسطينية , والسلطة الوطنية ,وعلى الرغم من عدم إدراك البعض الفلسطيني لأهمية هذا اليوم وهذه المناسبة , إلا أن كل هذه المحاولات قد باءت بالفشل وتمكن الشعب الفلسطيني وعبر تضحياته الغالية من أن يفرض حضوره على الصعيد العربي والإقليمي والدولي , ومن تعزيز مشروعية نضاله على أرضه ووطنه.