المحرر موضوع: قامة شامخة في باحة المسرح العراقـي  (زيارة 245 مرات)

ابن فلسطين

  • صوت متمرس
  • **
  • مشاركة: 97
قامة شامخة في باحة المسرح العراقـي
« في: شباط 12, 2010, 03:43:50 »
لعلمن أهم ما يشغل مواطن البحث ودائرة التقصي في ذاكرة الناقد المختص وهويحاول الولوج صوب مجاهل ذلك الكنف البلوري الممتلأ بالمعالم السحريةالخلاقة المعلنـة بصورة (مُنتج إبداعي) بكل تصانيفة الفنية المرئية, اوالمقروءة حينا ً, او المخبأة في آحايين اخرى بهيئات وصور مخملية بينالثنايا السرمدية التي يحاذيها الإفصاح, وهو يرنو محفزا ادواته المعرفيةلتدوين تلك المعالم بقطبيها المعلن والخفي, وهو يتناول السِفـْر الفنـيالجليل للمبدع الكبير (سامي عبد الحميد) بكونه واحد من اهم المبدعينالمسرحيين الكبار, والذي يـُعدُ أحـد أهم أعمدة المسرح العراقي والعربي,ومن جيل النخبة النجيبة التي أسست لتدعيم ركائز تسيّـد النتاج المسرحيالعراقي على الساحة العرضية والتنظيرية العربية على مدى اكثر من نصف قرن.
وعليه ابتدءا وهو مزمع في سبر اغوار رحلة ذلك المبدع, ان يكون متمكنامن استحضار ادوات استقراءاته المدعومة بقرائن دلائلية وبناء تحليلي مشفوعبملكة التواصل الزمكاني الفطن، لعموم مراحل التطور الابداعي لذات المبدعالذي حقق حضورا مبهرا، ومتميزا في فنون المسرح العراقي بمجمل ميادينهالفنية المختلفة .
قد تكون الطريقة الى المدخل الاستهلالي او ربماطريقة العرض البيلوغرافي المؤرخ بالتواصل المعرفي الاصيل لذلك النسيجالفنـي والوعي النخبوي في سِفـْر ِ(سامي عبد الحميد) المسرحي, ربما تبدوشائكة وصعبة, اولا لسرعة حركة ايقاعه الفني المعملي, وثانيا لتتابعالمراحل وتداخلها في تجربته المسرحية الغنية, باعتباره احد كبار المنظريينواحد افراد الجبلة المسرحية الاولى في المسرح العراقي، واحد أساتذةالتعليم الأكاديمي فيه.
لكنني سأنحى منحى ً معرفيا ً فنيا َ آخر لتحقيقمعادلة معلوماتية ابتدائية لكي أصيغ من خلالها مشهدا استهلاليا ناهضاللولوج صوب ذلك الفضاء الفني الفسيح, لهذا المبدع الكبير. 
منالملاحظ ان في نظرية الفن عند (ارسطو) انه لم يدون في مجمل تصانيفهالمكتوبة الخصبة شيئا عن نظرته لعلم الجمال, وانما اقتصر على اعطاء فكـرةعن الفن بصـورة (محاكاة) واستثمر ذلك الجهد الفني في استخدام المساهمالكبير (العقل) في ترويض مجمل المكنونات الفنية, ويبدو ان النظريةالجمالية لم يكن قيامها بشكل نظرية عند الاغريق, رغم انه ليس من الممكننكران انهم قد عنوا بالجمال وربما كان عنصرا مهما ومكملا وناهضاللثنائـــي المقدس (الخير – الحق).
وفي محاورات (افلاطون) يمكنناالامساك بمحاولات جادة وعميقة في فهم ودراسة طبيعة الجمال, ولكنها لمترتقي الى مصاف (النظرية الجمالية) المتكاملة, وبهذا يمكن القول بأنالاغريق قـد عرفـوا مفـــردة (جميل) ( beautiful ) لكنهـم لم يعرفـوامفـردة ( استطيقي ) (aesthetic  ) التي ظهرت لأول مرة في بدايات القرنالثامن عشر وتحديدا عـام ( 1735 م ) عنـدما دونها ( باومجارتـن ) في البحثالذي نشره بعد  حصوله على شهادة الدكتوراه , ليجعلها علما خاصا بدراسة (المدركات الحسيـــــة ) او علـم ( المعرفة الحسية ) وهي يالتالي نظريةللفنون الجميلة , وعلم المعرفة البسيطة وفن التفكير على نحو جميل , وفنالتفكير الاستدلالي , او كما عرفـه فيما بعد ( كروتشه ) بانه الحدسالمباشر او الوجدان , او كما عرفه ( كريت جون ديكاس ) بانه كل ما له صلةبالمشاعر الحاصلة خلال التأمل , اما (سوريو)  فيعرفه بقوله , انه العلمالذي يضع تحت اجناس كلية المعارف الخاصة المتضمنة في النشاط الفنـي , اما( يوت باركـر ) فيقـــول ان الغرض من ( الاستطيقا ) او ( فلسفلة الفن ) هوكشف الخصائص النوعية للفن الجميل  وتحديد العلاقة بين الفن والمظاهرالحضارية الاخرى .
ومما تقدم أكون قد وجدت لنفسي مناخا عمليا وعلمياللكشف عن براهين ومنطوق لتلك المعادلة القائمة بين ( المدركات العقلية ) و( المدركات الحسية ) باعتبارهما دلالتين قائمتين مشاركتين وفاعلتين فيأنتعاش مناخات المُنتج الابداعي المسرحي , ولعل هذه المحاولة الاستهلاليةاو المدخل التنظيري  يولجني صوب منصة الباحة الرحبة لتجارب المبدع ( ساميعبد الحميد ) لدراستها ، ومن ثم لمحاولة تناول تجربته الفنية المسرحية علىمدى عقود فنية خصبة خلت , باعتباره من المعنيين والمهتميين الاكاديميين فيالتعامل المختبري مع قطبيّ تلك المعادلـة الناجعـة ( المدركات العقلية ) و( المدركات الحسية ) والجمع بين النظريات المسرحية الكلاسيكية والنظرياتالجمالية باشكالها وكينوناتها الحديثة المختلفة ابتدءا من تعاليـم ( ارسطو) والعـروض المسرحيـة ( الكلاسيكيـة القديمـة ) و ( مسرح العصور الوسطـى )ومـرورا بـ( العصـر الاليزابيثـي ) و ( الكوميديـا دي لارتي ) و ( المذهبالرومانسي ) الحديث و (الطبيعيـة ) و ( الواقعيـة ) و ( المذهب الرمـزي )و ( المذهب التعبيري ) و ( مسرح العبث ) و ( المونو دراما ) و (المسرحالفقير ) و( مسرح فيزيائية الجسد ) وانتهاءا بـ ( السيمائية ) باعتبارهاجل الاستثمارات الدلالية الموزعة على مختلف العناصر المكونة للتعبيراللساني في اللغة الطبيعية , او على وفق تعريف ( كريستيفا ) بانها منهجاللعلوم الانسانية وتطبيقات ( سوسيو- تاريخية ) ومجموعة انظمة دالة .
وربمايبقى ثمة سؤال يجول في الذاكرة الحية التي راقبت بفطنة تلك الرحلة الفنيةالطويلـة هل استطـاع ( سامي عبد الحميد ) ان يهضم كل تلك التعاليمالاستقرائية والتنظيرية والفلسفية عبر تلك الرحلة الشاقة ابتدءا من بواكيراعماله المسرحية  آبان اوائل الأربعينيات من القرن المنصرم , حيث قامبتجسيد دور البطولــة في مسرحيــة ( انا الجندي ) في مدرسة التفيض الاهليةفي مدينة ( سامراء ) التاريخية وهو ما يزال لا تربطة اية وشائج عمليةوطيدة بفن المسرح , او حينما جسد دور ( والد كليانت ) في مسرحيـة (البخيـــل ) لـ( موليير ) في مدينة ( الديوانية ) في حنوب العراق التيانتقل اليها ليكمل دراسته الاعدادية فيها , وحين انتقل الى بغداد لاكمالدراسته في كلية الحقوق  أخذ يتردد على دور السينما وراح يشخص ادوارالممثلين أمام المرآة لتترسخ في ذهنه ملكة تلك الصنعة الاخاذة ( التمثيل )ومن ثم اتيحت له فرصة مشاهدة الممثل الكوميدي ( جعغر لقلق زاده ) بعدهـاالتقى بزميل رحلتـه الفنـــان ( يوسف العاني ) الذي شكل حينذاك فرقةمسرحية اسماهـا ( مجموعة جبر الخواطر ) وعبرهـا اختـاره الراحـل المبـدع (ابراهيم جلال ) ليجسـد دور ( انطونيو ) في مسرحية ( تاجر البندقية ) لـ(شكسبير ) ثم اختاره ذات المخرج فيما بعد لتجسيد دور ( فاسيلي ) في مسرحية( اغنيــة التــم ) لـ( تيشكوف ) لفرقة المسرح الحديث وفـي عـام (1956)وبعد تسنمه ادارة قسم المسرح في مصلحة السينما والمسرح التي كان يرأسهاالمبـدع الراحـل ( حقي الشبلي ) أشرف على الكثير من نتاجاتها الفنية ،وبعد هذه المرحلة المبكرة من رحلتة الطويلة ازداد تعلقه بذلك النشأالسحـري ( المسرح ) فجسد العديد من الادوار المهمة على صعيد المسرحوالتلفزيون والسينما واخرج العديد من الاعمال المسرحية الخالدة في فرقةالمسرح الحديث والفرقة القومية للتمثيل وتعامل مع كبار المخرجين المبدعينامثال ( ابراهيم جلال ) و ( قاسم محمد ) وغيرهم , ولا يفوتنى ذكر  تجاربهالرائدة مع الفنان التشيكلي الخلاق ( كاظم حيدر ) وتعاونه المثمر معالكاتب المبدع ( عادل كاظم ) وتعاونه الجاد مع نخبة من الشباب المسرحيالذي استطاع ان يثبت جدارتة وينمي ايقاع ذاته المبدعة الخلاقة في الحركةالمسرحية العراقية والعربية امثال المبدعين ( كاظم النصار ) و ( حيدرمنعثر )  وغيرهم من الشباب المبدع .
ويبدو ان لا مجال هنا لحصر جميعالاعمال المسرحية لهذا المبدع ( ممثـلا ً) و( مخرجا ) و( منظرا ) ولكنيساذكر في هذا السياق وعلى مستوى التمثيل واستحضر من الذاكرة لعلها تسعفنيوقد جاوزت الخمسين بنيف من طلع نخلي المتطاير , بانني قد اتيحت لي فرصةمثالية قبل سفري الى المغرب اوائل السبعينات من القرن الفائت ان احضـرعـرض مسرحيــة ( المتنبي ) لراحلنا الفـذ ( ابراهيم جلال )  وعبرنا حينهاحدود القصر الجمهوري الذي كان محاط بمجموعات من رجال الحرس الجمهوري وهممدججين باسلحتهم وسرنا بمحاذاة الحدود المحيطة بمنطقة كرادة مريم , وحينماخرجنا من العرض وانا اشعر بفخر سرمدي , ممتلأ ً بالدهشة والصدمة والفضول ،ومغلفا برغبة عارمة ولذة خلابة في ان اجتهد كي اكون ممثلا مجيدا كالذيرأيت , ومتمنيا بذات الوقت بان تـُعاد الكرة ثانية كي يتسنى لي رؤية ذلك (السامي المتنبي ) منتصبا شامخا وهو يردد ابيات المتنبي بصوته الجرسيالخلاب الممتع .
   ( تمرست بالآفات حتى تركتها تقول   *   أمات الموت أم ذعر الذعر )
نقلنيهذا الصوت عبر حواسي وملكاتي الروحية والعقلية والدلائلية الى عبق الكوفةالجليل ، بل وأطاح بنواصي قصائدي في حضرة تلك الباحة المسرحية الاخاذة ,وهذا ما يمتاز به هذا ( الممثل ) الخارق باعتراف الخشبة اولا , وجملةالنقاد بالإجمال ثانيا  ، والجمهور المتلقي ثالثا .
بعد هذه التجربةنقلني الى عالم ( الاكيريولوجيا ) السحري عبر الرقـُم الطينيـة حينمـااخـرج مسرحيـة ( كلكامش ) وبالرغم من انه كان مسجلا وثائقيا ومؤرخاللملحمة اكثر منه منتجا للاشكال الصورية المبهرة ، وقد يحسب لهذه التجربةاحياءها لملامح مسرحة التاريخ العراقي القديم , وهو في ظني اول من تعرضلهكذا تناول ممسرح باستخدام الاسطورة وإخضاعها  لمقومات العرض المسرحي ,رغم ان الملحمة المنقولة الينا عبر الراحل ( طه باقر ) لا تحمل مقوماتالنص الادبي ، او الخطاب المسرحي .
ولو رجعنا للسؤال آنف الذكر , لقلناوبكثير من الفخر بان ( سامي عبد الحميد ) كان وما يزال منظرا كبيرا وممثلامجيدا , ومخرجا يسجل تاريخه الطويل اعمالا مسرحية مهمة يوثقها سجل المسرحالعراقي والعربي ، ولقد تحصن بملكات ابداعية متميزه عبر دراسته الاكاديميةلفن المسرح في لندن , وافـاد بها الكثيـر من الأجيال اللاحقة التي اكتسبتمن خبرته الوافرة عمق الدراية وراحت تسبر اغوار التجارب وتحليل النظرياتالقديمة والحديثة لتقدم لنا من خلال نخلته الفكرية الباسقة الوارثة الظلالاطاريح اكاديمية ناضجة في مختلف فنون المسرح في الدراسات العليا تحتاشرافه وتخرج من تحت جلبابه العديد من الاجيال المبدعة من المسرحيين الذينيدينون له بالعرفان والفضل اولا ً والمعرفة والعلم ثانيا ً ,
لقدكانت الخصوصية الاسلوبية والطرائقية المتفـردة في فـن الاخراج والتمثيـلالمسرحـي عند الفنـان ( سامي عبد الحميد ) قد شكلت محورأ مهمأ ومناخا خصبالدى العديد من المهتمين بشؤون المسرح العراقى والعربي وقد أثبتت  هذه (التجارب ) عافية المسرح العراقي المرئيـة التي أسهمت بالتالـي فى تطويــروإثراء الملكات الفنية والفكرية لدى العديد من طلبة الدراسات العليا فيكلية الفنون الجملية , كما نمت هذه التجارب قدرات وملكات العاملين فيالمجالات التقنية الفنية , واسهمت في اخصاب ونمو الأداء التمثيلى لدىالمعنيين بهذه التجارب ذات الصبغة المهارية العالية في فن التمثيل , فضلاعن انها قد فعلّت حركة النقد المسرحى العراقي والعربي وأثرته , بالاضافةالى ان هذه التجارب كانت قد أطرت لموضوعية انتخاب النص المسرحى العالميوالمحلي الذى من خلاله استطاع ذات الفنان ان يفجر ملكاته الابداعيةالفكرية والحسية والجمالية والدلائلية , ليحصل في الكثير من تجاربةالعرضية , على ادق حالات الاستجابة المثلى من قبل المتلقيين على مستوىالنخبة وجمهور الحضور بالعموم , وعلى مستوى النقاد المسرحييـن , وأثرتبالايجاب أيما تاثير في المناخات المسرحية العراقية والعربية بالاعمالاغلب .
وأخيرا يبقى الفنان الكبير ( سامي عبد الحميد ) قامة شامخةمن قامات المسرح العراقي والعربي ، ومفخرة عراقية صرفة ، ومفكرا مبدعاوصاحب رؤية وملكـة فنية ( عقلية - حسية – جمالية - دلائلية ) خصبة خلاقةامتزجت في بودقتها جل النظريات والتجارب القديمة والحديثة , وحسبنا القولبانه قلب رهيف ٌ حيّ مثابر ، ينبض بالحب والوفاء لباحة المسرح العراقي .