المحرر موضوع: منهج عمر بن عبد العزيز في تربية أولاده  (زيارة 165 مرات)

الفـ العربي ـارس

  • مراقب عام
  • صوت حُر
  • *****
  • مشاركة: 756
    • الشرقية المطورة
منهج عمر بن عبد العزيز في تربية أولاده
« في: كانون الأول 31, 2007, 06:24:45 »
لفضيلة الشيخ إبراهيم محمد الجمل

الوالد المربي يجعل للحب الأبوي إطارا يحفظه في أروع حدوده فلا ينصرف إلي تدليل يفسد الأبناء ولا يجعل من عطفه وشفقته سبيلا إلي إهمال ينزلق بهم إلي ما لا تحمد عقباه فيكون الضرر أكثر من النفع وعندها لا ينفع الندم والتحسر.

 إن العاقل هو الذي يضع المنهج التربوي الصحيح أمامه ويعبر بابناؤه بنين وبنات الطريق إلي كل نافع مفيد فيظلل بيته الهدوء وتصفو الحياة في ظل رضوان الله إتباعا لما جاء به الدين الحنيف وممن كانوا له منهج من ظلال رضوان الله ودينه خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لم يصرفه عن ذلك صارف سواء أكان قبل توليه الخلافة أم بعدها وما كان عظم المهام وثقل المسئولية والخوف من الله لتصرفه عن رعاية أولاده بنين وبنات وعن التعرف علي أحوالهم فيقدم إليهم ما يقتضيه واجب العناية والتربية ولم يدع عبأهم مع كثرتهم علي كاهل غيره ولو كان اقرب الناس إليه.

 اشرف بنفسه عليهم وخصص لهم جزءا من وفته ليطلع علي أعمالهم فيقوم معوجهم ويوجه أستاذتهم في تربيتهم فيضع بهذا منهجا إسلاميا يصلح لا بناؤه وهو في نفس الوقت قاعدة أساسية لتربية أبناء المسلمين وان في رسالته إلي مولاه سهل وقد اختاره ليؤدب أولاده منهجا قويما ينشيء الأمة الصالحة التي تكون درعا ووقاية للبلاد والإسلام والمسلمين

منهج عمر بن  عبد العزيز في تربية أولاده
 يقول الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لهل مولاه ومؤدب أولاده :" أما بعد فاني اخترتك علي علم مني بك لتأديب ولدي فصرفتهم إليك عن غيرك من موالي وذوي الخاصة بي فحدثهم بالجفاء فهو أمعن لإقدامهم واترك الصحبة فان عادتها تكسب الغفلة واقل الضحك ففان كثرته تميت القلب وليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمن فانه بلغني عن الثقاة من أهل العلم إن حضور المعازف واستماع الأغاني واللهج بها ينبت النفاق في القلب كما ينبت العشب الماء ولعمري لتوقي ذلك بترك حضور تلك المواطن أيسر علي ذي الذهن علي النفاق في قلبه وهو حين يفارقها لا يعتقد مما سمعت أذناه علي شيء مما ينتفع به ويفتتح كل علام منهم بجزء من القران يثبت في قراءته فإذا فرغ تناول قوسه ونبله وخرج إلي الغرض حافيا فرمي سبعة ارشاق ثم انصرف إلي القائلة فان ابن مسعود رضي الله عنه كان يقول:" يا بني قيلوا فان الشياطين لا تقيل"

رسالته في التربية

هذه الرسالة وضعت أسس التربية الصحيحة في كل زمان ومكان فهي تضع أمامنا أول ما تضع اختيار المعلم واختيار المعلم يخضع للأسس ومقاييس ينبغي أن تراعي فليس كل إنسان صالحا لهذه المهمة وليس لنا ان نلقي بها علي عاتق العامة من الناس وإنما نلقي بها علي من كان منهم علي خلق ودين وعلم حتى يتمكنوا من أن يصلوا بعلمهم وتأثيرهم إلي قلوب من يعلمونهم فيكونوا قدوة ونبراسا علي المعلم والمربي والمؤدب أن يلتزم بالجد في القول مع تلاميذه والدارسين عليه فلا يكون كلامه جزافا يقصد به التسلية وإنما يضع لكل كلمة معناها وما تؤدي إليه بعيدا عن الثرثرة واللغو من الحديث وليس للمعلم أن يتخذ من تلاميذه أصدقاء يودعهم أسراره ويشاركهم وقته وحياته فقد يكون ذلك ادعي بالاستهانة به وقد لا تعجبهم مواقفه فيؤدي ذلك إلي السخرية منه والاستهزاء به وعدم الاستجابة لما يطلب منه وليس له أن يرويهم النكات والمواقف الهزلية وان يكثروا من الضحك واللعب وأحيانا لان ذلك ادعي إلي صرف القلب عن الصالح والجاد من الأعمال وفي الحديث الشريف نهي عن كثرة الضحك لتأثيره علي القلوب " لا تكثروا الضحك فان كثرة الضحك تميت القلب " إن الانزلاق في هاوية الملاهي والحرص علي حضور المعازف والمغاني عظيمة الأثر السيء في حياة الإنسان وان الأضرار التي تلحق بالإنسان من جزاء ذلك قد  لا يوجد لها علاج شافي ولقد وجدنا انه ما من شر يقدم عليه الشخص إلا كان من اثر ملازمة الملاحي والحرص علي حضور المغني والمعازف لذلك فقد كان أمير المؤمنين علي حق واضح في دعوته إلي البعد عن ذلك وإذا كانت التربية الروحية المستمدة من تعاليم الإسلام لها اكبر الأثر في ميزان الحياة فان القران الكريم هو الدعامة الكبرى إلي هذا الدين وله الأثر الفعال في التوجيه والقيادة إلي سواء السبيل لأنه يورث المسلم الخلق الفاضل والهداية إلي الطريق المستقيم

المنهج التعليمي

ثم يأتي بعد ذلك المنهج التعليمي الذي يرغب فيه الإنسان وفي مقدمته التدريب علي الجهاد والقتال والتمرين علي ما يتخذ لأجله فعلي الطالب أن يمارس ذلك وإذا كانت الخيل هي السبيل في الماضي فان الحاضر أداته لإعداد العدة للدفاع عن النفس والوطن والدين ولم تنسي رسالة أمير المؤمنين الخليفة عمر بن عبد العزيز وقت الراحة اليومي للإنسان فجعلها وقت القيلولة فله أن يستريح ويقيل فهذا ادعى إلي راحة البدن والنفس والقلب ليعاود العمل المثمر والجد والاجتهاد وقد استدل علي ذلك لما روي عن بن مسعود رضي الله عنه بأنه كان يقول يا بني قيلوا فان الشياطين لا تقيل وكان لعمر بن العزيز من البنات أمينة وأم عمار وأم عبد الله ومن البنين عبد الله وأبو بكر وإبراهيم واسحق ويعقوب وموسي والوليد وعاصم ويزيد وعبد العزيز وعبد الملك عاشوا معه فترتين من حياته

الأولي:

 قبل أن يتولى الخلافة وقت كانت حياته حياة ترف ونعيم مقيم لم يره أموي من أراضي وقصور غير ما ورثه من ضياع منتشرة في كثير من الآفاق وكان عمر نفسه مرفها قبل الخلافة وبلغ من رفاهيته أن الناس كانوا ينتظرون يوم أن تؤخذ ملابسه إلي المغسل لتغسل ملابسهم بعد ملابسه حتى ينالها الكثير مما نزل منها من الطيب في الماء

الثانية:

 وهي التي تبدل كل شيء بها وكانت عقب الخلافة وتوليه أمر المسلمين فكان أول ما فعله بأهل بيته وأولاده أن نادي زوجته بنت الخليفة عبد الملك بن مراوان ابنة عمه سليلة الملك والغز والجاه والسلطان والأصل والجاه وقال لها الآن تغيرت الأمور وسوف نتعرض لشظف العيش وجفافه ولن نتملك منه إلا لقمة لقمة فان رأيت انك ستتعودين علي ذلك فأهلا ومرحبا وان رأيت انك تنشدين العز والرفاهية والنعيم فأنت في حل من أمرك ولكنها رضي الله عنها فضلت أن تعيش مع عمر زاهدة عابدة مطيعة وعلي لك رضي أولاده من البنين والفتيات الذين نعموا بالعناية والتوجيه والتربية واستجابوا له فوقفوا علي سمع وطاعة

 كان رضي الله عنه يصلي العشاء  ثم يدخل فيسلم عليهم دخل عليهن ذات ليلة فلما أحسسنه وضعن أيديهن علي أفواههن ثم تبادرن إلي الباب قال عمر للحاضنة ما شأنهن ؟ قالت انه لم يكن عندهم شيء يتعشينه إلا عدس وبصل فكرهن أن تشم ذلك من أفواههن فبكي عمر ثم قال لهن ل يا بناتي ما ينفعكن أن تتعيشن الألوان ويمر بابيكن إلي النار فبيكن حتى علت أصواتهم ثم انصرف.

مرت أمينة ابنة الخليفة عمر بن عبد العزيز يوما عليه وهو جالس فدعاها الخليفة يا أمينة.. يا أمينة.. فلم تجبه فأمر انسانا فجاء بها فقال ما منعك أن تجيبي ؟ قالت إن ملابس ليست حسنة !

فقال: يا مزاحم  - وزيره انظر إلي تلك الفرش التي فتقناها فاقطع لها منها قميصا فذهب انسان إلي أم البنين عمتها فقال ابنة اخيكي ليس عندها من الملابس ما تستحسنه وأنت عندك ما عندك فأرسلت إليها بتخت من ثياب وقالت لا تطلبي من عمر شيء ويروي أن ابنته أرسلت إليه بلؤلؤة وقالت له يا ابتي إن رأيت أن تبعث لي بأخت لها حتى اجعلها في أذني ؟ فأرسل لها جمرتين ثم قال لها إن استطعتي أن تجعلي هاتين الجمرتين في اذنينك بعثت إليك بأخت لها أن كثرة البنين من أولاده لم تقصر به عن نصحهم وتدريبهم وتوجيهم إلي ما ينفعهم في دنياهم وأخرتهم.

 حكي ابنه عبد العزيز أن أباه كان دائم الوصية له ولأخوته ومما كان يقول له" يا بني إذا سمعت كلمة من أمريء مسلم فلا تحملها لعلي شيء من الشر ما وجدت لها محملا علي الخير ومما روي أن ابنه عبد الله ذهب إليه وقال له اكسني يا ابتي قال له اذهب إلي الخيار بن رباح البصري فان إلي عنده ثيابا فخذ منها ما بدا لك قال فذهبت إلي الخياط بن رباح فقلت له استكسيت أبي فأرسلني إليك وقال أن لي عند الخيار بن رباح ثيابا قال صدق أمير المؤمنين فاخرج ليه ثيابا رخيصة رأي عبد الله بن الخليفة إنها لا تناسبه فسأل الخيار هل عندك غيرها له ؟ قال ما عندي غيرها فخذ منها ما بدا لك لم يأخذ عبد الله منها شيئا ورجع إلي أبيه عمر فقال يا أبتاه اسكتسيتك فأرسلتني إلي الخيار ابن رباح فاخرج لي ثيابا ليست من ثيابي و لا من ثياب قومي قال فذاك ما لنا عند الرجل فانصرف عبد الله حتى إذا كاد يخرج ناداه فقال له هل لك أن أسلفك من عطائك مائة درهم قال نعم يا أبتاه فأسلفه مائة درهم فلما خرج عطاؤه حوسب بها فأخذت منه قال مسلمة بن الخليفة عبد الملك يذكر عطاء عمر لأولاده رحم الله عمر والله لقد خلك وما لغ ابن له قط شرف العطاء

 وروى أن بعض أولاد عمر اتخذ خاتما واشتري له فصا  بألف درهم فكتب إليه عمر" أما بعد فقد بلغني انك اشتريت فصا بألف درهم فبعه واشبع ألف جائع واتخذ خاتما من حديد صيني واكتب عليه رحم الله امريء عرف قدر نفسه" وكان عمر يكره أن يلي احد أولاده ولاية أو منصبا و مكتفيا بنفسه راغبا عن الحسابة لولده متأسيا بجده الخليفة الثاني عمر بن الخطاب حيث خوطب في توليه ابنه عبد الله ابن عمر فأبي وقال اعمر وابنه ؟ ! روي أن عمر بن عبد العزيز قال لبنيه أتحبون أن أولي كل رجل منكم جندا فينطلق تصل صل به جلا جل البريد فقال احد أبناؤه لم تعرض علينا شيء لست صانعه بنا فقال عمر رضي الله عنه إني لأعلم أن بساطي هذا يصير إلي البلي واني لأكره أن تدنسوه بخفافكم فكيف أقلدكم ديني تدنسوه في كل جند !! ثم مرض عمر بن عبد العزيز وكان آخر ما تكلم به عمر أن قيل له لقد تركت أولادك صغارا وهم كثير وليس لهم مال ولم تولهم إلي احد قال رضي الله عنه ما كنت لأعطيهم شيء ليس لهم وما كنت لأخذ منهم حقا لهم أوولي فيهم الذي يتولى الصالحين إنما هؤلاء احد رجلين رجل أطاع الله ورجل ترك أمر الله وصنيعه وروي أن مسلما ابن عبد الملك دخل علي عمر في مرض موته فقال انك أفقرت ولدك من هذا المال فتركتهم عيلة لا شيء لهم فلو أوصيت بهم إلي والي نظرائي من أهل بيتك فقال عمر رضي الله عنه أسندوني ثم قال أما قولك أني أفقرت أفواه ولدي من هذا المال فوالله إني ما منعتهم حقا هو لهم ولم أعطهم ما ليس لهم أم قولك لو أوصيت بهم إلي أوالي نظرائي من أهل بيتك فان وصيت  فيهم الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين بني احد رجلين إما رجل يتقي الله فسيجعل الله له مخرجا وإما رجل منكب علي المعاصي فاني لم أكن أقويه علي معصية الله ثم بعث إليهم وهم بضعة عشر ذكرا فنظر إليهم فذرفت عيناه فبكي ثم قال  بنفسي الفتية – كما يقولون – تركتهم عيلة لا شيء لهم فاني بحمد الله قد تركتهم بخير أي بني إنكم لان تلقوا أحدا من العرب ولا من المعاهدين إلا أن لك عليهم حقا أي بني إن أباكم ميل بين أمرين بين أن تستغنوا ويدخل أبوكم النار أو تفتقرا ويدخل أبوكم الجنة فكان أن تفتقروا ويدخل الجنة أحب إليه من أن تستغنوا ويدخل النار قوموا عصمكم الله.

 ومات الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ولقد بلغ أولاده منزلة كبيرة بعد وفاته فكان ابنه عبد العزيز بجانب ولايته علي مكة والمدينة فيعهد يزيد بن عبد الملك والخليفة مروان بن محمد راويا للحديث وكان عبد الله بن عمر ابن عبد العزيز واليا علي الكوفة وكان منهم العلماء والتجار فكانوا أغنياء ومتصدقين مجاهدين في سبيل الله روي احد المؤرخين قال مات الخليفة هشام بن عبد الملك وخلف احدي عشر ابنا فقسمت تركته وأصاب كل واحد من تركته ألف ألف دينار ورأيت رجلا من ولد عمر بن عبد العزيز قد حمل في يوم واحد علي مائة فرس في سبيل الله ورأيت ولد هشام يتصدق عليه رحم الله المعلم المربي العظيم عمر بن عبد العزيز وأولاده ورضي الله عنهم أجمعين.

المصــــدر
.: لا يَـزالُ الـرَجُـلُ عـالِـمـاً مـا طَـلَـبَ الـعِـلـمَ ، فـإذا ظَـنَّ أَنَـهُ قَـدْ عَـلِـمَ فـقَـدْ جَـهِـلَ :.